الرئيسية / Uncategorized / قضية اغتيال كيم يونج: العدالة في مواجهة العلاقات الدولية

قضية اغتيال كيم يونج: العدالة في مواجهة العلاقات الدولية

جريمة في مطار كوالالمبور:

في الثالث عشر من شهر فبراير عام 2017، وفي مطار كوالالمبور الدولي أحد أشهر وأجمل مطارات العالم، والذي شيدته مجموعة شركات بن لادن بعد سحب رئيس الوزراء مهاتير محمد المشروع من شركات انجليزية على أثر هجوم إعلامي بريطاني على شخصه واتهامه بمعاداة السامية، أقدمت ثلاث نسوة، اثنـتان منهن أندونيسيات والثالثة ممثلة فيتنامية مغمورة، على اغتيال السيد كيم جونج نام مواطن كوريا الشمالية، بطريقة شبه مخابراتية حين قمن بذر غاز الأعصاب VX في وجهه، على مرأى ومسمع الجميع وفي مواجهة كاميرات المراقبة بالمطار، والتي سجلت كل شيء بوضوح. وقد اعتقلت الشرطة النساء الثلاث ومعهن 8 مواطنين من كوريا الشمالية تم الإشتباه بهم وقت الحادث.

الجريمة لها أبعاد سياسية:

إلى هنا والخبر لا يتعدى جريمة وضحية ومتهمين. إلا أنه وبعد أقل من 20 يومًا كان قد تم الإفراج عن المواطنين الكوريين الشماليين جميعًا، وكان آخرهم المواطن ري جونج شول الذي كانت بيانات عمله لا تتطابق مع الوثائق التي كانت بحوزته، وكان محط الشك، إلا أن الشرطة الماليزية لم تستطع الحصول على معلومات إضافية تدينه. وتم ترحيله إلى بلده.

اللافت للنظر هنا هو ما أعرب عنه قائد الشرطة الماليزية خالد أبو بكر وهو أسفه لإطلاق سراح ري جونج شول الذي يعتقد تورطه المباشر في عملية الإغتيال، وإشارته إلى احتمال وجود ضغوط سياسية ودبلوماسية وراء سرعة اطلاق سراحه.

من هنا ننتقل إلى حقيقة هامة في القضية وهي أن كيم جونغ نام كان الابن الأكبر لكيم جونغ إل الزعيم الكوري الشمالي السابق، أي أنه الأخ غير الشقيق للزعيم الحالي كيم جونج أون. مما يشير إلى احتمال كبير في أن الزعيم الكوري متورط في التخلص من أخيه الأكبر غير الشقيق، وهو ما يؤكد وجود ضغوط سياسية وراء اطلاق سراح واحد من أهم المشتبه بهم وبهذه السرعة.

وما يؤكد هذه الفرضية هو قرار السلطات الماليزية، في اليوم التالي للإفراج عن ري جونج شول، طرد سفير كوريا الشمالية لديها، كانج تشول، على خلفية اغتيال “كيم جونغ نام”، الأخ غير الشقيق للزعيم الكوري الشمالي “كيم جونج أون” ، وحسب بيان، طلب وزير الخارجية الماليزي، سري أنيفة أمان، من السفير كانج تشول مغادرة البلاد في غضون 48 ساعة، معتبرا أنه “شخص غير مرغوب به”، بعد عدم تلقي بلاده الاعتذار الذي طالبت به سابقاً من كوريا الشمالية.

القاتلتان بين الإعدام والبراءة …. شعرة من البلوماسية:

قررت محكمة ماليزية يوم 17 أغسطس 2018 مواصلة محاكمة امرأتين متهمتين باغتيال الأخ غير الشقيق لزعيم كوريا الشمالية، فيما يشكل صدمة لعائلتيهما اللتين أصرتا على أنهما خدعتا للقيام بهذا العمل. وبعدما استمع للادعاء، أفاد القاضي عزمي عريفين بأن هناك أدلة كافية لتأكيد تهمة القتل الموجهة إلى الإندونيسية ستي عائشة (26 عاما) والفيتنامية دوان ثي هوونج (29 عاما). والسيدتان متهمتان باغتيال كيم جونغ نام بغاز الأعصاب السام «في إكس» في مطار كوالالمبور 13 فبراير 2017، عندما كان ينتظر للصعود على متن طائرة متوجهة إلى ماكاو.

قضية اغتيال كيم جونج تتحول إلى “مقلب” الكاميرا الخفية:

تؤكد المتهمتان أنهما ضحيتا مؤامرة قتل متقنة دبّرها «عملاء كوريون شماليون»، وتشددان على أنهما اعتقدتا أنهما كانتا تشاركان في مقلب لبرنامج من نوع تلفزيون الواقع عندما هاجمتا كيم بالمادة الكيميائية التي تعتبر من أسلحة الدمار الشامل.

لكن المدعين العامين في الولاية وصفوا جريمة القتل بأنها أشبه بفيلم لجيمس بوند، وقالوا إن المتهمتين قاتلتان مدربتان جيدا وتدركان بالضبط ما كانتا تفعلانه. وتوصلت محكمة شاه علم العليا خارج كوالالمبور، إلى أن أربعة كوريين شماليين خططوا للجريمة وجنّدوا ستي عائشة وهيونغ وزودوهما بالسم في يوم الجريمة قبل السفر خارج ماليزيا.

ماهي مشكلة كيم جونج نام مع أخيه رئيس كوريا الشمالية كيم جونج إيل؟

بوصفه الابن الأكبر للزعيم الكوري الشمالي الراحلكين جونج إيل، اعتبر جونغ نام وريثا للسلطة، لكنه أثار غضب والده في مايو 2001 بعد محاولة فاشلة لدخول اليابان بجواز سفر مزور من جمهورية الدومينيكان لزيارة منتزه “ديزني لاند” الترفيهي.

منذ ذلك الحين، عاش منفيا في ماكاو وسنغافورة والصين، ويبدو أنه زار مرات عدة بانكوك وموسكو وأوروبا، في الوقت الذي تولى شقيقه الحكم بعد وفاة الوالد نهاية 2011.

عرف كيم جونج نام بانتقاده لنظام الحكم في كوريا الشمالية، ونسب له كتاب صدر عام 2012 جاء فيه أنه يعتقد أن أخاه الأصغر غير الشقيق يفتقر إلى الصفات القيادية، وأن خلافته لوالده لن تنفع، وأن كوريا الشمالية غير مستقرة، و بحاجة إلى إصلاح اقتصادي على النسق الصيني. كما ذكر صحافي ياباني ألَّف كتابا عن جونغ نام أنه كان رجلا شجاعا حاول إصلاح بلاده.

ووفق التقارير الإخبارية، فقد تعرض جونج نام أكثر من مرة لمحاولات اغتيال، واحدة منها في عام 2012 من طرف عناصر تابعة للنظام الحاكم، وتقول الاستخبارات الكورية الجنوبية إن جونج نام بعث بعد ذلك لأخيه برسالة في أبريل 2012 قال فيها “أرجوك أبق على حياتي وحياة عائلتي”.

القضاء الماليزي يرجح رواية الكاميرا الخفية ويطلق سراح القاتلتين تباعًا

تم إطلاق سراح الأندونيسية سيتي عائشة بدعوى أنها كانت ضحية لخدعة اقتنعت خلالها أنها تمثل دورًا من أدوار الكاميرا الخفية، ولم تكن تعرف شيئًا عن حقيقة كيم جونج نام الذي قتلته. فيما أوضح خطاب من المدعي العام الماليزي تومي توماس إلى وزير القانون وحقوق الإنسان الأندونيسي ياسونا لايولي أن التهم الموجهة للسيدة سيتي عائشة قد اسقطت بعد الأخذ في الاعتبار العلاقات المتينة بين ماليزيا وشقيقتها أندونيسيا.

انتهز محامي الفيتنامية المتهمة دوان ثي هوانج الفرصة واتهم الحكومة الماليزية والقضاء الماليزي بالتمييز بعد الافراج عن الاندونيسية سيتي عائشة ورفض التماس موكلته، وتم تأجيل النظر في القضية بدعوى الاختلالل النفسي والعضوي المؤقت للمتهمة نتيجة رفض التماسها.

ثم ما لبث القضاء الماليزي أن رجح فرضية الكاميرا الخفية وادعاء الدفاع بأنها ساذجة ونفذت الجريمة في إطار ما اعتقدت بأنه “مقلب” كاميرا خفية. فما كان من الإدعاء الماليزي الا ان عرض عليها الاعتراف بالقيام برش الغاز مقابل ترجيح فرضية الكامير الخفية، وتم الحكم عليها بالسجن ثلاثة أشهر وعشرة أيام، مع إلغاء الجَلد المصاحب للحكم بهذه العقوبة، بسبب عدم إدراج القانون الماليزي عقوبة الجلد للنساء.

وحيث ان المتهمة كانت قد أتمت ثلثي العقوبة إلا قليلا منها، وحيث يجيز القانون الماليزي الافراج عن المتهم بثلثي العقوبة، فإنها سيتم اطلاق سراحها بعد أيام. وقد صرحت ببالغ السعادة أنها ترغب في التمثيل والغناء (رطوش كي تكتمل الصورة).

وهكذا يسدل الستار عن قضية اغتيال معارض على أرض مطار دولة ذات سيادة والإفراج عن جميع المتهمين رغمًا عن الأدلة والصور والإعترافات، من أجل الحفاظ على علاقات بين الدول، في نفس اللوقت الذي اتخذت قضية الصحفي السعودي جمال خاشقجي الذي تم قتله وتذويب جسمه داخل سفارة بلده مثالًا لأكثر الجرائم شهرة في التاريخ الحديث.

الأخلاق أم السياسة: أيهما أولًا؟:

وهذا ما يضعنا أمام تساؤلات أخلاقية عديدة، لا تغير حدتها كون خاشقجي كان عربيًّا مسلما بينما كان كيم جونج كوريًا مشركًا، أو أن ماليزيا تحتفظ بعلاقات قوية مع أندونيسيا وفيتنام فأطلقت مواطنيهما، وعلاقات قوية مع كوريا الشمالية فتغاضت عن حقها السيادي وسمعة قضائها وحق الضحية في العدالة والقصاص. ولسوف يتساءل كثيرون: لماذا يجب أن تطغى العلاقات السياسية بين الدول على حقوق الأفراد، وهل تقوم الشعوب باختيار قياداتها ليتم بهذا الشكل قتل المواطن الذي قد يكون صالحًا في نظر البعض و غير صالح في نظر حكومة بلده؟

عن Asean Affairs

تعليق واحد

  1. يشرفنا أن تدلوا معنا بآرائكم

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حرب النفط السعودية الروسية.. هل تجر العالم إلى حرب عالمية ثالثة؟

إن الأجواء التي نشبت فيها الحرب العالمية الأولى لمدة اربع سنوات ونصف ...