الرئيسية / تايلاند / حكايات فطاني: وثيقة تاريخية مترجمة

حكايات فطاني: وثيقة تاريخية مترجمة

حكايات فطاني

حكايةٌ ملايويَّة شعبيَّةٌ عن تاريخ
سلطنة فطاني دار السَّلام الإسلاميَّة

ترجمة
الدكتور/ آدم بمبا

مراجعة الأستاذ/ عزمي عمر والأستاذ/ عاصم الشَّريف

2007م / 1428هـ

صورة غلاف الكتاب الأصلي

فهرس موضوعات الكتاب
مقدمة 5
لمحة تاريخيَّة عن مملكة فطاني 10
القسم الأوَّل: تأسيس مملكة فطاني ودخول الإسلام إليها 22
الفصل الأوَّل: تأسيس فطاني 23
الفصل الثَّاني: دخول الإسلام إلى فطاني 25
الفصل الثَّالث: مدفع فطاني 28
الفصل الرَّابع: زيارة الملك مظفَّر شاه الأولى لسيام 30
الفصل الخامس: غارةٌ فاشلة على أيوديا وموت السلطان مظفر شاه 32
الفصل السَّادس: تولي منظور شاه الحكم بفطاني، وراجا جلال في ساي 35
الفصل السَّابع: غارة باليمبانغ على فطاني 36
الفصل الثَّامن: أبناء منظور شاه السَّبعة 38
الفصل التَّاسع: مهمَّة وان محمد في سيام 39
الفصل العاشر: مقتل السلطان باتيك سيام على يد راجا بامبانغ 42
الفصل الحادي عشر: مقتل السلطان بهدور شاه على يد راجا بيما 44
الفصل الثَّاني عشر: الملكة راجا إجاوْ وبندهارا ساي 47
الفصل الثَّالث عشر: مقتل سيري عمار بهلوان على يد عبد الجبار 49
الفصل الرَّابع عشر: حفر قناة سونْغايْ تامباغانْ، وموت راجا إجاو 51
الفصل الخامس عشر: تولي الملكة راجا بيرو السلطة ووفاتها 52
الفصل السَّادس عشر: تولي راجا أونغو الملك، ومداعبة ملك جوهور لراجا كوننغ 53
الفصل السَّابع عشر: غارة السياميين على فطاني 55
الفصل الثَّامن عشر: موت راجا أونغو وتتويج راجا كوننغ ملكة 57
الفصل التَّاسع عشر: عشق أمير جوهور 58
الفصل العشرون: مهمَّة راجاليلا في جوهور 62
الفصل الحادي والعشرون: تمرُّد راجا كالي 65
الفصل الثَّاني والعشرون: نهاية سلالة ملوك الداخل 67
القسم الثَّاني: الملوك الكالتنتانيون بفطاني 68
الفصل الثَّالث والعشرون: مملكة كالنتان بفطاني 69
الفصل الرَّابع والعشرون: ألونغ يونس حاكم فطاني 71
القسم الثالث: رؤساء الوزراء في فطاني 72
الفصل الخامس والعشرون: بندهارات فطاني 73
القسم الرَّابع: مروِّض الفيلة تشاوْ هانغْ وذريَّته بفطاني 74
الفصل السَّادس والعشرون: تشاو هانغ، مروِّض الفيلة وأبناؤه 75
الفصل السَّابع والعشرون: داتوء تشيراك كين، بندهارا فطاني 77
القسم الخامس: الخلافات الدَّاخليَّة في فطاني 78
الفصل الثَّامن والعشرون: قصَّة داتوء ساي ومتنافسين آخرين 79
القسم السَّادس: التَّقاليد الملَكيَّة في فطاني 83
الفصل التَّاسع والعشرون: العادات الملايويَّة، الأوركسترا الملكية في فطاني 84

مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على النَّبي المبعوث رحمة للعالَمين، سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد،
فإنَّ لفنِّ الحكايات رواجًا واسعًا في عالَم الملايو قديمًا وحديثًا. وكلمة “حكايات” هنا، في ثقافة الملايو، لا تعني فنَّ الحكايات بمفهومه الأدبيِّ الدَّقيق، وإنَّما هي –بالإضافة إلى ذلك- إطلاقٌ موسَّعٌ يشمل معظمَ أنواع النُّصوص النَّثريَّة الشِّفاهيَّة منها والمكتوبة ما عدا الشِّعر: من قصص خرافيَّة، وأسطوريَّة، وملحميَّة، وتاريخيَّة، ودينيَّة إسلاميَّة. ومن أشهر الحكايات التَّاريخيَّة بهذا الصَّدد: “حكايات راجا راجا بَاسايْ” التي تؤرِّخ لمملكة باساي الإسلاميَّة بدءًا بالملك الصَّالح المتوفَّى عام (1297م)، والملك الظَّاهر المتوفى عام (1326م)، وانتهاءًا بسقوط تلك المملكة إثر غزْوِ ماجاباهيتْ (Majapahit) لها عام (1350م). ومنها أيضًا، “سيجارَا ملايو” (Sejara Melayu)، أي تاريخ الملايو، وهي من أشهر النُّصوص التي تؤرِّخ لمجتمع الملايو ولِسُلالات سلاطينها، وتبدأ بحياة سلطان جوهور علاء الدين رعايةُ الله شاه (ت1488م)، عندما كان أسيرًا في باسايْ الجاوَة، وتشمل تلك الحكايات أخبار سلاطين جوهور، وملاقا، والممالكَ الإسلاميَّة التي كانت تابعةً لها في أرخبيل الملايو، إلى سقوط تلك المملكة تحت الغزو البرتغالي. ومنها أيضًا “حكايات نيغْري جوهور”، و”حكايات هانْغ تُوا”، و”حكايات ميرونغْ ماهاوانْغسا”، (Hikayat merong Mahawangsa)، وهي عن تاريخ مملكة قِدَح، وفيها جزءٌ عن تاريخ فطاني وسلاسل أنساب سلاطينها، وغيرها من الحكايات التَّاريخيَّة.
أمَّا حكايات فطاني موضوع الحديث، فتعدُّ من أنْدَر النُّصوص الإسلاميَّة والتَّاريخيَّة وأهمِّها في مجتمع الملايو؛ لأنَّها تؤرِّخُ لدولة الإسلام في فطاني منذ قيامها إلى سقوطها وانضوائها تحت مملكة السِّيام البوذيَّة. ولأنَّها –في الوقت نفسه- من الكتابات التَّاريخيَّة التي وضعها كُتَّابٌ محليُّون عايشوا الأحداث، وتناقلوها شفاهَةً عبر الأجيال والعصور. بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ لحكايات فطاني –وغيرها من الحكايات الملايويَّة- أهميَّتها البالغة لدى الباحثين في المجالات العلميَّة كافَّة؛ لأنَّها تمدُّ القارئ بتأريخيَّة المجتمع الملايويِّ وواقعه، وتكشف له عن الظُّروف الاجتماعيَّة والثَّقافيَّة التي مرَّ بها هذا الشَّعبُ، ومن ثمَّ ترسُم له عن رؤية شعب الملايو للعالَم بناءًا على الظُّروف والخبرات المختلفة في حياتهم.(*)
بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ حكايات فطاني تُعدُّ –من بين الحكايات التَّاريخيَّة المذكورة- أقدَمَها؛ إذ ظلَّت طويلاً في صورتها الشِّفاهيَّة قبل أنْ تدوَّن –فيما بعد- باللُّغة الملايويَّة بالحرف العربيِّ الجاويّ. وعلى الرُّغم من قِدَم هذا النَّص وتزايُد اهتمام المؤرِّخين والأنثروبولوجيِّين الغربيِّين بمنطقة أرخبيل الملايو وثقافتها، فإنَّ أوَّل ظهور لحكايات فطاني على السَّاحة العالميَّة كان متأخرًا -نسبيًّا- على يد المستشرق نيوبولد (Newbold) عام (1838م)، إذ نشر مقالة عن المخطوطات الملايويَّة، واستعرض عددًا منها. وفيها خصَّص فقرةً لحكايات فطاني حيث لخَّصها وقدَّم تعليقات عن مضمونها.
ومع ذلك، فإن حكايات فطاني ظلَّت شبه مجهولة في الأوساط العلميَّة، واختفت المخطوطة التي كانت بحوزة نيوبولد بعد وفاته، وفي عام (1966م)، طَفَتْ حكاياتُ فطاني مرَّةً أخرى على السَّطح العلميِّ على يد الباحث د. ك. ياتْ (D. K. Wyatt)، الذي اكتشف ترجمةً لها باللُّغة السِّياميَّة تحمل التَّاريخ البوذي 2471 (1928م). لكن التَّرجمة تلك، كانت مختصرة في ستّ عشرة صفحة فحسب، ولا تشمل تاريخ فطاني في صورته الكليَّة.
بعد ذلك بعامٍ، عثَر الباحثُ “أ. تيو” (A. Teeuw) على مستلَّة من المطبوعات الملايويَّة القديمة بمكتبة الكونجرس في واشنطن، ومن بينها نسخة مطبوعة لحكايات فطاني باللُّغة الملايويَّة، ولكن برموز لاتينيَّة، وناسخُها السيد عبد الله عبد القادر، وكان معلِّمًا ومترجمًا للُّغة الملايويَّة للمبشِّرين والباحثين المستشرقين في سنغافورة آنذاكم. وحدَّد السيد عبد الله في آخر الكتاب تاريخ النَّسخ بعام (1255هـ/ 1839م)، وأضاف أنَّه نسخَها للسيد نورث (Mr. North)، وكان المذكور ذاك مبشِّرًا أمريكيا نشطًا في سنغافورة وفي الصِّين، درس اللُّغة الملايويَّة على يد عبد الله عبد القادر طابع الكتاب، وجمعتهما علاقةٌ علميَّة حميمةٌ أثمرتْ عن كتاباتٍ وترجماتٍ عدَّة لكتُب ملايويَّة إلى الإنجليزيَّة. ويغلب الظنُّ أن السَّيد عبد الله طبع هذا الكتاب من نسخة ملايويَّة جاويَّة جلبَها من كالنْتان ضمن ما جلب منها من مخطوطات خلال رحلته إلى تلك المنطقة عام (1837م). وسجَّل أحداث تلك الرحلة في سيرته الذَّاتيَّة التي وضعها بإيعاز من السيد نورث.
كما عثَر الباحث نفسُه عام (1969م) على نسخة أخرى لحكايات فطاني في المجموعات الوَرَقيَّة التي خلَّفها المستشرق “ح. و. عيمانويل (H. W. Emanuels)، بعد وفاته؛ فآلت إلى معهد الأنثروبولوجيا الاجتماعيَّة بجامعة أكسفورد، وبذلك تجمَّعت بين يديه ثلاث نُسخٍ لحكايات فطاني: نسختان باللُّغة الملايويَّة، وثالثة بالسِّياميَّة.
تجدر الإشارةُ بهذا الصَّدد إلى الباحث المؤرِّخ إبراهيم شكري (Ibrahim Syukry) الذي وضعَ كتابًا عام (1962م)، بعنوان “Sejarah Kerajaan Malayu Patani” أي تاريخ مملكة فطاني الملايُوِيَّة، وفي مقدِّمته أشار إلى وجود عدَّة روايات لحكايات فطاني سواء في مستواها الشِّفاهي أم الكتابيِّ، ولكنَّه أشار إلى أنَّ الكثير منها “cerita dongeng” (خُرافات)، تفتقدُ المصداقيَّة التَّاريخيَّة. ولكن إبراهيم شكري اعترف بوجود نسخة تمتاز بمصداقيَّة تاريخيَّة عالية، وأنَّه اعتمدها وقابل مضامينها بنصوص ودراسات تاريخيَّة استشراقيَّة عن فطاني وعن عالَم الملايو؛ ليخرجَ بصورة مقبولة عن تاريخ فطاني.
بالمِثل، فإنَّ الباحث “أ. تيو” المشار إليه آنفًا، وهو صاحب التَّرجمة الإنجليزيَّة المتداوَلة لحكايات فطاني، يذهب مذهبَ إبراهيم شكري في وجود نسخة على الأقلِّ، يمكن الاطمئنانُ بها في تاريخ فطاني، وتلك النُّسخة المفترضة، وإن لم تكن حاضرةً ماثلةً بين أيدي الباحثين الآن، فإنَّ الباحث “أ. تيو” يؤكِّد أنَّ النُّسخ التي توفَّرت بين يديه –ومِنْ بينها كتابُ إبراهيم شكري- والمقابلات النَّصيَّة التي أجراها على تلك النُّسخ، تؤكِّد أنَّها ذاتُ أصل موحَّد. يقول عن نسخة “نيوبولد” ونسخة إبراهيم شكري: “وإذا ثبتَ أن شيئًا من هاتين النُّسختَين لم تُدوَّن من الأخرى، فإنَّ التَّشابُه القويَّ بينهما يؤكِّد أنَّهما نسختان مباشرتان لأصل واحد”.

الصِّياغة الشَّكليَّة
إنَّ حكايات فطاني –مثل غيرها من الحكايات الشَّعبيَّة- مسرودةٌ في صيغتها الشِّفاهيَّة سردًا، دون تقسيم منطقيٍّ لأجزائها، لذلك عمد الباحث مترجم الحكايات السيد أ. تيو، إلى تفكيك حكايات فطاني وتقسيمها وترتيبها بشكل يُسهِّل تناوُلَها. هذا دون إزعاج للأحداث والحقائق والشَّكل الكليِّ للحكايات. وقد أتى تقسيم الحكايات في ستة أقسام هي:
1- تاريخ فطاني في عهد سلاطين الدَّاخل، وكُتب في أوائل القرن السَّابع عشر.
2- تاريخ فطاني في عهد ملوك كالَنتان، وينتهي بالسُّلطان ألونغ يونس، ويرجِّح المترجم أنَّها كُتبت بعد عام (1690م).
3- تلخيص لأخبار بندهارات فطاني (رؤساء الوزراء)، وكُتِبتْ بُعَيد عام (1707م).
4- قصَّة مُروِّض الفيلة تشاوْ هانغ وذريَّته، ويرجِّح المترجم أنَّها كُتبت في عهد سابق لعام (1700م).
5- قصَّة وفاة داتوء ساي، والصِّراع بين الطَّامعين في تولِّي منصب البنْدهارا، وكُتبت في حدود عام (1707م).
6- العاداتُ والتَّقاليدُ الملَكيَّة في المراسم وعزف الأوركسترا الملكيَّة في المناسبات الرَّسميَّة في فطاني، وكُتبت في أواخر القرن السَّابع عشر.
عليه، فإنَّ حكايات فطاني –بناءًا على هذا التَّقسيم- نتاجُ كُتَّاب كثُر، متوزِّعين على شريط زمنيٍّ ناهَزَ قرنًا واحدًا أو يزيد. غير أنَّ مترجم الحكايات يؤكِّد وجود قواسم مشتركة بين أولئك الكُتَّاب، منها كونُهم ملايويِّين مسلمين، يتمتَّعون بحسٍّ قوميٍّ مرهف، وبمعرفة ثقافيَّة عميقة عن مجتمع الملايو، وعايَش معظمُهم أحداث الحكايات عن قرب، وخاضوا غمارَها، وكانت لهم رؤية نقديَّة اجتماعيَّة في معظم الأحيان، تُستشفُّ من السَّرد الحكائيِّ. أما على المستوى الشِّفاهي، فلا يُمكنُ التَّكهُّنُ بمؤلِّف أو عدد من المؤلِّفين لنصوص حكايات فطاني. بل هي نتاجٌ شعبيٌّ جماعيٌّ لمجتمع بأكمله، وهو ما يرد التَّأكيدُ عليه في كثير من بدايات القصص ونهاياتها بإرجاع سند تلك القصص إلى “كبار السِّن”، أو إلى رواة مجهولين.
بالإضافة إلى الطَّبيعة الشَّعبيَّة لحكايات فطاني، فإنَّ الهدف منها لم يكن تدوين الوقائع التَّاريخيَّة بقدر ما كان لتشكيل هويَّة ثقافيَّة قوميَّة، والحفاظ عليها في عالَم يحسُّ فيه الملايو باحتواء أجنبيٍّ لثقافة الملايو وأرضها وهويَّتها. ففي الحالة تلك، لم يكن التَّركيز على التَّواريخ الدَّقيقة، وإنَّما على الأحداث بشكل إجماليٍّ، حتى يمكن تشكيلُ رؤية كليَّة للعالَم من خلال سرد تلك الأحداث، والحُكم على شخصيَّاتها؛ لذلك فإنَّ القارئ لن يجد تحديدًا دقيقًا للوقائع والأحداث في حكايات فطاني.
غير أنَّ هذا النَّص الشَّعبي، من شأنه أن يفتح للقارئ العربيِّ نافذةً جديدةً على الشَّعب الملايويِّ المسلم، ويسهم في مشروع التَّقارُب والتَّعارف بين الشُّعوب. كما يسهم –إن شاء الله- بهذه التَّرجمة العربيَّة في تحقيق أهداف تربويَّة وتعليميَّة وثقافيَّة مهمَّة في عالم الملايو، وفي تعزيز اللُّغة العربيَّة، وإمداد الأساتذة وطلبة العلم بمادة تعليميَّة ولغويَّة لنصٍّ تاريخيٍّ له حضورٌ قويٌّ في مجتمعهم، وفي ثقافتهم المحليَّة.
وفي الجانب الاجتماعيِّ-السِّياسيِّ، فإنَّ حكايات فطاني وأمثالها، يُؤمَلُ منها أن تُسهم في إنماء الوعي التَّاريخيِّ، وزرع الثِّقة في الجيل المعاصر، والاعتزاز بماضهي المجيد الذي تألَّق فيه الأجدادُ، ونجحوا –بتوفيق الله- في جميع مناشط الحياة: الاجتماعيَّة، والسِّياسيَّة، والاقتصاديَّة، وكان للمرأة المسلمة (الملِكاتُ خاصَّة) إسهامٌ منقطع النَّظير في الحضارة الإسلاميَّة الملايويَّة. وحتى في حالات الكَبْوات، والأخطاء التَّاريخيَّة، والإحَن والعداوات التي وقعتْ بين الملايو أنفسِهم، أو بينهم وبين غيرهم من جيرانهم، فإنَّ هذا النَّص ينظر إليها نظرةً إيجابيَّة واثقة، فيُعلِّق عليها الرَّاوي بأنَّها “قد غدَتْ من التَّاريخ القديم”، الذي لا يُلتَفتُ إليه في الحاضر. وبهذه القراءة يصبح هذا النَّص دائم المفعول في الارتقاء بالمجتمع الملايويِّ على مختلف الصُّعُد، وتلك مطلبٌ عزيزٌ خاصَّة في العصر الرَّاهن الذي يشهدُ فيه المجتمع المسلم في مملكة تايلاند اضطراباتٍ سياسيَّة خطيرة نسأل الله تعالى أن يكشفها بما هو خير.
هذا، وأشكر المولى المنَّان على ما هباني من نعمة الصِّحة والعافية، والأمن والفراغ، وبما هداني إلى هذا العمل الذي أرجو أن يكون خالصةً لوجهه الكريم، ثمَّ أسدي الشُّكر الجزيل إلى كلِّ مَن ساهم في هذا العمل المتواضع، وعلى رأسهم: الشَّيخ الدكتور إسماعيل علي، عميد كليَّة الدِّراسات الإسلاميَّة بجامعة الأمير سونكلا فطاني، والدكتور إبراهيم نارونجراساكيت، رئيس قسم الدِّراسات الإسلاميَّة بالكليَّة. كما أشكر الأستاذَين: الأستاذ عزمي قاسم، رئيس قسم اللغة العربيَّة وآدابها بكليَّة العلوم الإنسانيَّة، والأستاذ عاصم الشَّريف اللَّذين راجعا –مشكورَين- هذا الكتاب، وقابلا التَّرجمة العربيَّة بالأصل الملايويِّ، فجزاهم الله جميعًا خير الجزاء، إنَّه خير الشَّاكرين.

لمحةٌ تاريخيَّة عن مملكة فطاني
النَّشأةُ والتَّطوُّر
نشأت مملكة فطاني(*) على أنقاض مملكة لانْغكاسوكا (Langkasuka) الملايويَّة القديمة التي قامت في حدود القرن الأوَّل والثَّاني الميلادي، وضمَّتْ آنذاك أكبر ميناء تجاريٍّ في جنوب شرق آسيا؛ وذلك بفضل موقعها الجغرافيِّ على ما يُعرف الآن بخليج سِيَامْ، وكان موقعها ذاك يتيح للسُّفن التِّجاريَّة الإبحار المباشر منها إلى مواقعَ تجاريَّة في الصِّين، واليابان، وإلى سائر ممالك أرخبيل الملايو. سقطتْ مملكةُ لانغكاسوكا تلك في ظلِّ تنامي نفوذ الممالك الكبرى المتاخمة لها، مثل مملكة “أنْغكور” (Angkor) في كامبوديا الحاليَّة، ومملكة “مونْ” (Mon) في بورما، ومملكة سرفيجايا (Srivijaya) في جزيرة سومطرة في القرن الرَّابع الميلاديِّ.
ولا يُعرَف التَّاريخُ الدَّقيقُ لنشوء مملكة فطاني، وذلك لتعدُّد الرِّوايات حولها، غير أنَّ بعض الباحثين يُرجعونه إلى بدايات الألفيَّة الماضية، ومن أولئك المؤرِّخ البرتغاليُّ تومْ بِيريس (Tom Pires) الذي أبحرَ عبر فطاني عام (1511م)، وكتب عنها، ورجَّح أن يكون إنشاؤها في فترة قبل عام (1370م). أمَّا عن وصف مملكة فطاني، فيُجمله المستشرق نيوبولد (Newbold) في قوله إنَّ فطاني “كانتْ آنذاك أوسعَ ممالك الملايو مساحةً، وأكثرَها سكَّانًا”. ذلك أنَّ مملكة فطاني كانت تضمُّ في أوْج قوَّتها أكبرَ مملكَتَين في الوقت نفسه في أرخبيل الملايو: فطاني وكالَنتان التي سقطتْ عام (1729م)، وكانت حدودُها تشمَلُ ولايات: ترينغانو، وبرْليسْ، وقِدَح في ماليزيا حاليًّا، وجزءًا من سونكلا في مملكة تايلاند حاليًّا، وتلك مساحةٌ أكبرُ بكثيرٍ من مساحة بعض الدُّول الحديثة في منطقة جنوب شرق آسيا الحديثة.
لأجل ذلك، شهدت فطاني توافُد عددٍ من التُّجار والرَّحالة والمستكشفين الأوربيِّين إليها منذ أوائل القرن السَّابع عشر الميلاديِّ، ومن أولئك الهولندي السيد “بيتر فلوريس” (Peter Floris) الذي سكن فطاني حوالي سنتين (1612-13م) في عهد الملكة راجا إجاوْ التي حكمت بين (1584-1616م)، وكان تاجرًا في سفينة تجاريَّة إنجليزيَّة أبحرت من لندن إلى ماسليباتامْ في الهند، فبانْتامْ (Bantam)، ودوَّن مشاهداته في مذكِّرة باللغة الهولنديَّة، حُرِّرت –فيما بعد- بالإنجليزيَّة. وفيها نصَّ السيد فلوريس على وجود مُستَوطَنة هولنديَّة بفطاني سبقتْ حضورُها الحضور الإنجليزيَّ. كما نصَّ على وفاة الكابتن “أنْطوني هيبون” (Antony Hippon) بعد وصوله إليها بعشرة أيَّام، ودُفن بمقبرة كوبو دغانْغ (Kubo Dagang) غربيَّ كامبونغ كِرْسِيكْ، حيث مقبرة الوافدين، وهذا الموقعُ ما زال موجودًا إلى الآن. ومنهم المؤرِّخُ البرتغالي غودينو (Godinho de Eredia) الذي وصف فطاني بأنَّها “ميتروبوليَّة أرخبيل الملايو”.
وفي كتابات أولئك وأمثالهم تسجيلٌ مُسهَبٌ للكثير من مظاهر الحياة الاجتماعيَّة والسِّياسيَّة والاقتصاديَّة حول المجتمعات الآسيويَّة آنذاك بما فيها المجتمع الفطاني. وتتميَّز تلك الكتاباتُ أوَّلا، بكونها ملاحظات خارجيَّة للمجتمعات المحليَّة. كما تتميَّز ثانيًا بكونها شواهدَ معزِّزة للرِّوايات المحليَّة، وذلك بالتَّقاطُع المستمرِّ بين هذه النُّصوص، وإجماعها على سرد روايات وأحداث وأسماء شخصيَّات وأماكن وتواريخ مُماثلة. هذا، وتُعزِّزُ كلُّ تلك النُّصوص وتؤكِّدها المشاهدُ والكشوفات الأثريَّة التي ما زالت ماثلةً في المواقع المذكورة في تلك النُّصوص.

فطاني والحضورُ الإسلاميّ
أما عن دخول الإسلام إلى فطاني، فيُرجَّحُ أنَّ ذلك قد واكبَ نشوء فطاني نفسها، وذلك على أيدي التُّجار العرب والهنود والأتراك الذين استقرُّوا في هذه المنطقة منذ أواخر القرن الثاني عشر الميلاديِّ خلال رحلاتهم التِّجاريَّة إلى الموانئ الصِّينيَّة. بل إنَّ بعض الرِّوايات المحليَّة تُرجِعُ حضور الإسلام في فطاني إلى القرن العاشر الميلاديِّ، وذلك في ظلِّ مملكة لانغكاسوكا التي –يذكرون- أنَّ الإسلامَ دخلها على أيدي الدُّعاة المسلمين من مملكة شامْبا (Campa)، وكانت هي الأخرى مملكة ملايويَّة في القرن الحادي عشر والثَّاني عشر الميلادي. هذا على المستوى الشَّعبيِّ لظهور الإسلام في مملكة فطاني.
أمَّا على المستوى الرَّسميِّ في اعتبار الإسلام دينًا رسميًّا للدَّولة في فطاني، فكان في أواسط القرن الخامس عشر الميلاديِّ تقريبًا، وهي الفترة التي استهلَّت بها حكاياتُ فطاني التي بين أيدينا الآن. وجاءت تلك المرحلة من الأسْلَمة تتويجًا لجهود الدُّعاة التُّجار من العرب، والفُرس، والأتراك على خلاف ما قد يوهم به نصُّ “حكايات فطاني” بكون تلك الفترة أوَّل احتكاكٍ لشعب فطاني بالإسلام، فالإسلامُ كان –بلا شكٍّ- قد عمَّ فطاني، ومعظمَ مناطق الأرخبيل قبل أن يعتنقَه البلاطُ الملَكي عام (1457م)، بإسلام الملك وحاشيته، وتسمِّيه بـ”السُّلطان إسماعيل شاه” (كما في الفصل الثاني من الحكايات). هذا، والمذهب الشَّافعي هو السَّائد في فطاني وفي أرخبيل الملايو.

فطاني والتَّاريخ الاجتماعيُّ والسِّياسي
(أ) الاجتماع
بما أنَّ المجتمع الفطاني مجتمعٌ انبثق عن مملكة الملايو القديمة لانغكاسوكا، وهو مجتمعٌ كانت تغلبُ عليه البوذيَّة والهندوسيَّة في كثير من مظاهر حياتها الاجتماعيَّة، وبنهوض المجتمع الفطاني الجديد، واستبدال الدِّين القوميِّ بالإسلام، فإنَّ كثيرًا من مظاهر حياة الفطانيِّين اصطَبَغ بالصِّبغة الإسلاميَّة، وتلبَّس بالإسلام.
ويتكوَّن المجتمع الفطاني –مثل غيره من المجتمعات الملايويَّة- في تركيبته الاجتماعيَّة من شريحَتَين كبيرتَين هما: الطَّبقة الحاكمة، والطَّبقة المحكومة (الرَّعيَّة).
– الطَّبقة الحاكمة: يمثِّل الملِكُ أو السُّلطان القمَّة في هذه الشَّريحة، وحوله تدور رحى السِّياسة والمجتمع. ويتبع السُّلطانَ الأمراءُ، وهم كلُّ من ينتمي إلى الأسرة الملَكيَّة بعلاقة دم، وإليهم تُسنَد الوظائفُ القياديَّة العليا في المملكة، وتُضفى عليهم الألقابُ المبجِّلة مثل: تِنغكو (tengku)، أو تُوانْ (tuan)، ونيءْ (nik)، ووانْ (wan). وغيرها. ويُلحقُ بهذه الطَّبقة من الحُكام طبقةٌ أرستقراطيَّة وُسطى، يصلُ إليها أصحابُ المواهب والقدرات، والمقرَّبون من السُّلطان والأمراء. ومن أولئك قوَّادُ الجيوش، وأصحاب النُّفوذ، وكبار التُّجار (orang kaya)، والمشايخ العلماء (orang alim)، والمنجِّمون، والمعالجون الشَّعبيُّون، وأصهارُ السَّلاطين، وغيرهم.. ومن ألقاب أولئك: داتُؤ سيري (dato’ seri)، وداتؤْ (dato’)، وتُؤ (to’). ولدينا في حكايات فطاني نماذجٌ كثيرةٌ من هذه الشَّريحة مثل الشَّيخ سعيد الذي كان على يديه إسلام ملك فطاني؛ إذ أضفى عليه الملكُ لقب “داتؤ سري راجا فقيه”، ونموذج وانْ محمد (الفصل التَّاسع)، ونموذج مُروِّض الفِيَلة (القسم الرَّابع)، ونموذج المغنِّية دانغْ سيرات (الفصل التَّاسع عشر).
– طبقة الرَّعيَّة (ra’ayat): وهي سائرُ أفراد المجتمع من الأحرار، وأنصاف الأحرار (orang berhutang)، والعبيد (hamba)، ويقومون بسائر أنواع الحِرَف والوظائف في المملكة، وتكوين الجيش الملَكي. والعلاقةُ بين الطبقة الحاكمة وبين الطَّبقة المحكومة، علاقةُ خضوع مُطلق من لدُن المحكومين، بمقابل العطايا السَّخيَّة والحماية التي يحفُّهم بها السُّلطانُ والطَّبقة الحاكمة.(*)
هذا عن طبيعة تكوين المجمع الملايويِّ في شكله الكليِّ. أمَّا عن تكوين المجموعات الإثنيَّة، فتوجد بفطاني خاصَّةً مجموعاتٌ أخرى غير ملايويَّة ممَّن وفدُوا إليها تبعًا لمكانتها السِّياسيَّة والاقتصاديَّة، وهي –في الغالب- مجموعاتٌ مسلمة. من ذلك: المجموعات الوافدة من الشَّرق الأوسط (Pathans)، وهي –وإن كان لها حضورٌ في معظم مناطق مملكة تايلاند اليوم- تتمركَزُ في فطاني، ويالا، وناراتيواتْ.
ومن المجموعات الشَّرق الأوسطيَّة، الحضارمة والحجازيُّون، وهؤلاء –بالذَّات- أقدمُ المسلمين الوافدين إلى فطاني، وعلى أيديهم كانت أسلمة المنطقة، ولهم حضورٌ ملموسٌ على امتداد عالَم الملايو (Tanah Melayu)، في أندونيسيا، وماليزيا، وسنغافورة، وبروناي، وتايلاند. وللشُّرفاء –من بين أولئك- مكانةٌ خاصَّة؛ إذ يتمتَّعون بمراكز اجتماعيَّة وسياسيَّة مرموقة، فمنهم كبارُ السَّاسة، ورجال الدِّين، وأجلَّة العلماء، وأرباب الصُّوفيَّة، والتُّجار الكبار… وفي حكايات فطاني حادثةٌ تصوِّر بجلاء مكانةَ الشُّرفاء في ضمير الشَّعب الملايويِّ، كانت تلك في أحداث الانقلاب المخْفق الذي دبَّره راجا كالي (الفصل الحادي والعشرون) ضدَّ الملكة؛ فقُبِض عليه وقُتل شرَّ قتلة. أما صاحبُه توءْ ميرْ، فلم يُقتَل مثلَه بالسَّيف؛ لخوف النَّاس من إراقة دم أحدٍ من سُلالة النَّبي (^). موقفٌ آخر حين أشار الرَّاوي إلى الشَّيخ سيِّد عبد الله، وأنَّه كان من آل بيت النَّبي (^) أتى من القدس، ثم أضاف إلى أنَّه –وأمثاله- كان من الرِّجال الفضلاء الذين كانوا يسهرون على منفعة أهل فطاني، ويحبُّهم الشَّعب.
وإذا كانت فطاني ذات أغلبيَّة ملايويَّة، ومسلمة، فإنَّ الواقع الاجتماعيَّ يشهد بوجود إثنيَّات عرقيَّة ودينيَّة أخرى فيها، وفدتْ إلى فطاني منذ أيَّام نشأتها الأولى، بهدف التِّجارة خاصَّة، وتمتَّعت تلك الإثنيَّات بحياة اجتماعيَّة مُتَناغمة مع المجتمع الملايويِّ.
من أمثلة تلك الإثنيَّات الصِّينيُّون الذين كانوا من أوائل التُّجار الوافدين إلى فطاني، وفي حكايات فطاني (الفصل الثَّالث) ذكرٌ للتَّاجر الصِّينيِّ الذي أهدى القذيفة إلى ملك فطاني. كذلك ذكرٌ مُسهبٌ لمروِّض الفِيَلة من بيغو (بورما) الذي حاز –هو وذريَّتُه- امتيازات كبيرة في ظلِّ مملكة فطاني. ومن الأسَر الصِّينيَّة العريقة في فطاني الحاليَّة عشيرةُ “خونانوراك” (Khunanurak) ومن مشاهيرها “الكابتن الصِّيني” (Luang Samrej kitjakornjangwang)، وكان حاكمًا على فطاني، صاحبَ ثراء ونفوذ في مملكة تايلاند الحديثة. ومن أمارات وجود تعايُش سِلميٍّ بين الأديان في فطاني وجود المساجد والمعابد البوذيَّة والصِّينيَّة جنبًا إلى جنب،(*) ومن أشهَر المعابد: معبد واتْ شانغ هاي (Wat chang Hai Rat Buranaram)، والمعبد الصِّيني توك-بيك (Tok-Pek Kong)، ويُعدُّ من أشهَر المعالم السِّياحيَّة في مملكة تايلاند، وفي اليوم الخامس عشرَ من مُستهلِّ كلِّ سنة صينيَّة، يجوبُ الصِّينيُّون مدينة فطاني بتمثال لِيمْ كونْ ييو (Lim Kun Yew)، في موكب مشهُود، يأتيه الصِّينيُّون من مختلف مناطق تايلاند، ومن الدُّوَل الآسيويَّة المجاورة في عيد يُدعى (Chao Mae Lim Khao Niaw).

(ب) السِّياسة
بما أنَّ المجتمع الفطاني –كما سبق- ملايُويٌّ إسلاميٌّ في تكوينه وتركيبته اجتماعيًّا وثقافيًّا، فإنَّه كذلك تغلبُ عليه –بطبيعة الحال- التَّقاليدُ الملايويَّة الإسلاميَّة في تكوينه السِّياسيِّ. كما أنَّ مملكة فطاني –تبعًا لمستواها الاجتماعي- قد شهدت حراكًا سياسيًّا نشطًا، إنْ في الدَّاخل وإنْ في الخارج. وفي حكايات فطاني تصويرٌ مُسهَبٌ لتلك الجوانب. غير أنَّه يجمُل الوقوفُ هنا لعرض الوظائف السِّياسيَّة نموذجًا للتَّأثير الملايويِّ الإسلاميِّ في الإدارة الفطانيَّة، تتبعه وقفةٌ سريعة لدى السِّياسة الخارجيَّة لمملكة فطاني، وعلاقتها بالمملكة السِّياميَّة، جارتها في الشَّمال.
الوظائف السِّياسيَّة:
هذه جملةٌ من الوظائف والمناصب السِّياسيَّة في عالم الملايو بما فيها مملكة فطاني:
– السُّلطان: ويمثِّل قمَّة السُّلطة السِّياسيَّة، والدِّينيَّة أيضا في بعض الحالات في الدَّولة (negara).
– الأمير: ويُختارُ من الأسرة الملَكيَّة، من أبناء السلطان وإخوته وغيرهم. ويمثِّل السلطانَ مباشرةً في الدَّائرة أو الإقليم الذي يحكمه.
– البندهارا (bendahara)، رئيس الوزراء، وهو قمَّة السُّلطة التَّنفيذيَّة، والمشرف الأوَّل على بقيَّة الوزراء في الدَّولة.
– أمير الحرب (temenggong)، ويقوم بوظائف الشُّرطة في الدَّولة في حفظ الأمن الدَّاخليِّ. كما يقوم بالتَّخطيط للحروب، وحماية الثُّغور، والإشراف على البروتوكولات في القصر الملَكي.
– أمير الشَّواطئ: ويخصُّ الممالك السَّاحليَّة، ومهمَّته مراقبة السُّفن غير الحربيَّة الواردة إلى المملكة والصَّادرة منها، والقيام بالبروتوكولات المتعلِّقة بذلك، مثل حمل الخطابات الرَّسميَّة إلى الفصر.
– الضَّابط الحاجب: وهو الحارسُ الخصوصيُّ للمَلك في القصر، والمشرفُ على البروتوكولات داخل القصر، وقد يكون شخصًا واحدًا أو عدَّة أشخاص.
– لاكْسمانا (laksamana): وهو خاصَّة في الممالك المطلَّة على البحر، ويُشرف على السُّفن الحربيَّة.
– بندهاري (bendahari) أمير بيت المال: ومهمَّته الإشرافُ على الواردات والصَّادرات، والقيام بمصاريف القصر الملّكيِّ واحتياجاته الماليَّة.
– الشَّهْبَنْدر (shahbandar): وهو المشرفُ على قوانين التِّجارة، والبيع والشِّراء، ومراقبة الأسعار والمكاييل والأوزان بالأسواق، والعملات المتداولة.
هذا، وعرفت فطاني استقرارًا سياسيًّا تامًّا في معظم فتراتها الأولى تحت حُكم “ملوك الدَّاخل” (Inland dynasty)، ثم آلت إلى الاضطرابات الدَّاخليَّة والخارجيَّة في عهد “ملوك كالَنتان” (Kalantan dynasty).
أمَّا عن سياستها الخارجيَّة، وعلاقتها بمملكة سيام، فقد كانت مملكة فطاني تابعةً لمملكة سِيامْ الكبرى، وكان سلاطينُها يرسلون كلَّ عام بِطَوق ذهبيٍّ (bunga emas) إلى ملك سيام رمزًا للولاء له، وفي عام (1517م)، حين جاء البرتغاليُّون إلى مملكة ملاقا جنوبيَّ فطاني، بقيادة (Quarte Coelho)، أبرمَ السُّلطان إسماعيل الفطاني اتِّفاقًا تجاريًّا سياسيًّا مع البرتغاليِّين على أن يحموه من اعتداءات مملكة سِيام، ولكن ذلك لم يتحقَّق في الواقع. وفي بدايات القرن السَّابع عشر، كانت فطاني قوَّةً سياسيَّة وعسكريَّة كاسرةً في المنطقة، وشملتْ المملكة آنذاك ما يُعرف بفطاني الكبرى (Patani Raya)؛ إذْ ضمَّت ولايات: كالنْتان، وقِدَح، وترينغانو، وبرليس (في ماليزيا الحاليَّة)، وجزءًا من سونْكلا. وحين اعتلَت الملكة راجا أونغكو (Raja Ungku)، عرش فطاني عام (1630م)، رفضت الانصياع لمملكة سيام، وألغتْ إرسال الطَّوق الذَّهبي إلى ملك سيام. بالإضافة إلى ذلك، تخلَّت عن لقب (phra nang chao yang) السِّيامي، واستبدلتْهُ بلقب “بادوكا شاهْ عَلَمْ” (paduka shah alam) الملايويِّ، وقد جرَّ ذلك سخط الملك السِّيامي (Prasat Thong) على فطاني، وأسفر عن حملات عسكريَّة، لكنَّ الملكة القويَّة كانت لها بالمرصاد، رغم اشتراك الهولنديِّين في الحرب ضدَّ فطاني.(*)
هذا، وقد عزَّز موقف فطاني ضعفُ المملكة السِّياميَّة إثْر غَزْو المملكة البُورميَّة لها عام (1767م)، وخراب عاصمتها الأولى أيوتْيا، ولكن المملكة السِّياميَّة استعادت قوَّتها بعد فترة من الزَّمن، وكانت فطاني آنذاك قد دبَّ فيها الضَّعف بفعل الخلافات الدّاخليَّة، وفي نوفمبر عام (1786م)، سقطت مملكة فطاني في غارة عارمة شنَّتها عليها الجيوشُ السِّياميَّة، وأصبحت فطاني تحت إدارة سياميَّة مباشرة.
تعاقبت ثوراتُ الفطانيِّين على المملكة السِّياميَّة؛ فلجأت تلك إلى تفتيت فطاني وتقسيمها إلى سبع ولايات إداريَّة عُرِفت باسم (boriween cet huamuang)، أي منطقة الولايات السَّبع. وأعيد تقسيم تلك الولايات عام (1906م). إلى أربع ولايات باسم (Monthon Patani)، وهي: فطاني، وبانْغنارا (Bangnara)، وسايْبوري (Saiburi)، وجالا (Yala). وفي صفقة سياسيَّة مُبرَمة بين إنجلترا والمملكة السِّياميَّة عام (1909م)، تخلَّت بموجبها المملكة السِّياميَّة عن كلانتان، وقدح، وبيرليسْ، وترينغانو؛ لتؤول تلك المناطقُ إلى الاستعمار البريطاني، على أن تعترف بريطانيا –بالمقابل- بالسِّيادة السِّياميَّة على فطاني، وبذلك أمكن تطويق فطاني، وإحكامُ السَّيطرة عليها.

فطاني والحركة التِّجاريَّة
تبوَّأت فطاني واسطة النَّشاط التِّجاريِّ، وحركة السُّفن منذ إنشائها، وإلى ذلك يُرجع السَّببُ الرَّئيس في نشوء فطاني المدينة، واعتمادها عاصمةً على حساب دار المملكة الأولى “كوتا ماليغايْ” كما في مستهلِّ الحكايات. وفي هذه الحكايات مواقف كثيرةٌ تشهدُ بإنعاش الحركة التِّجاريَّة في فطاني، وتَمركُز حياة الشَّعب الفطاني وسائر مناشط حياته حول الحركة التِّجاريَّة. ويرجع السَّبب الأساسُ في تبوُّأ فطاني تلك المكانة المركزيَّة في التِّجارة إلى موقعها الجغرافيِّ؛ إذ تقع بين بَحرين عظيمَين هما: بحر الصِّين الجنوبي الذي يقع شرقيَّ فطاني، وبحر أندامان (Andaman) في غربيِّها.
وعلى ذلك، فإنَّ أهمَّ الأنشطة التِّجاريَّة في فطاني ثلاثة:
(1) التِّجارة: كان الفطانيُّون يزاولون التِّجارة خاصَّة مع المجتمعات الأخرى، وكان هذا النَّشاط واسطةَ الأنشطة في فطاني بمينائه الشَّهير. وفي الحكايات أيضًا أخبارٌ مبثوثَةٌ في الإشارة إلى هذا النَّشاط، والسُّفن التي كانت ترسو في ميناء فطاني. ومن المواقف أنَّ الملكة راجا كونِنْغ كانت صاحبةَ تجارة واسعة، ومزارع تغنيها عن أموال المملكة.. (الفصل الثَّامن عشر). وكانت الحركة التِّجاريَّة الخارجيَّة تلك نشطةً مع الصِّين، والهند، وبلاد الشَّرق الأوسط، وأوربا، وكانت فطاني تمثِّل محطَّة للمنتوجات المحليَّة في منطقة أرخبيل الملايو، ومن السِّلع: الفلفل، والتَّوابل، والذَّهب، وكان التُّجار الأجانبُ يقايضونها بالمنسوجات الفاخرة، والخزف الصِّيني، والحرير، وغيرها من الأدوات.
(2) الفلاحة: كان النَّشاطُ الزِّراعي يتمرْكزُ في القديم حول زراعة الأرز، وهو تقليدٌ قديم عُرِف في مجتمعات شرق آسيا؛ لخصوبة أراضيها، ونزول الأمطار فيها بغزارة في معظم فصول السَّنة. وفي حكايات فطاني إشارةٌ إلى هذا النَّشاط (مثلاً في الفصل السَّادس والعشرين). هذا، ومن الأنشطة الزِّراعيَّة الحالية: زراعة المطاط، وجوز الهند، يقوم بها أفرادٌ وشركاتٌ عملاقة، وتمتدُّ المزارع في فطاني في سهول خضراء واسعة.
(3) صيد السَّمك: كان صيدُ السَّمك نشاطًا محليًّا يوازي الفلاحة، وعلى امتداد البحر في فطاني وناراثيواتْ الحاليَّة، ومنطقة ساتونْ، قُرى لصيد السَّمك وتربيتها. ولهذا النَّشاط تقاليد، ومظاهر ثقافيَّة في مجتمع الملايو، تدلُّ على أهميَّته في حياتهم.
هذا، ومن الموارد الطَّبيعيَّة التي اكتُشفَت في العصر الحديث في منطقة فطاني: الذَّهب، والغاز الطَّبيعيُّ، والقصدير، وهي جميعًا معادنٌ وموارد طبيعيَّة نفيسة.

فطاني والحركة العلميَّة
كانت الحركةُ العلميَّة الإسلاميَّة في فطاني امتدادًا للصُّروح العلميَّة الكثيرة التي شيَّدتها الحضارة الإسلاميَّة في عالَم الملايو: في آتشيهْ دار السَّلام، ومينانْكباوْ، وباسايْ، وسامْباسْ، وسُومباوَا، وبانْتين، وكلانْتان، وترينْغانُو، وملاقا… مثلُها مثل غيرها من المناطق التي دخلها الإسلامُ في أفريقيا والهند والصِّين.. ومن تلك الصُّروح العلميَّة انطلق الإسلامُ إلى سائر المناطق الآسيويَّة، وخرَّجت العلماء والفقهاء، والمصلحين الاجتماعيِّين.
في هذا السِّياق، فإنَّ فطاني قد تصدَّرت –في عهدها- المكانة العلميَّة في عالَم الملايو؛ إذ هي “مهد الإسلام”، بعد آتشيهْ، الذي تكوَّن فيه الإسلامُ قبل أن ينطلق إلى المناطق الأخرى، وقبل أن يكوِّنَ سلطنات إسلاميَّة في ملاقا، وجوهور، ويتوسَّع جنوبًا في شرق آسيا. وكان هذا التصدُّر للحركة العلميَّة في أرخبيل الملايو محصِّلة أسباب تاريخيَّة واجتماعيَّة وسياسيَّة كثيرة، منها:
– قِدَم الإسلام في هذه المنطقة، وسَبْقُه إليها؛ إذ دخلها الإسلامُ –كما سلف ذكرُه- منذ القرن الحادي عشرَ الميلاديِّ على أكبر تقدير، ومنها انتشر الإسلامُ إلى سائر البِقاع الملايويَّة خاصةً في المناطق الجنوبيَّة من أرخبيل الملايو في جوهور وملاقا.
– الاستقرارُ وطول عهد المملكة الإسلاميَّة فيها نسبيًّا، وقد امتدَّت 338 سنة.
– الإنعاشُ الاقتصاديُّ الذي حظِيتْ به فطاني بوصفها أهمَّ مركز تجاريٍّ في أرخبيل الملايو، يفد إليها التُّجارُ من مختلف المناطق في آسيا: من الهند، والصِّين، واليابان، ودُوَل شرق آسيا وأوربا. والإنعاشُ التِّجاريُّ والتَّألُّق العلميُّ ظاهرتان متلازمتان في الحضارة الإسلاميَّة. وذلك واضحٌ في المراكز العلميَّة الإسلاميَّة التي قامت واشتهرتْ في أرجاء العالَم، وكانت –في الوقت نفسه- مُدنًا تجاريَّة نشطة.
ولا يختلف المجتمع الفطاني في جانب التَّعليم الإسلاميِّ عن سائر مناطق العالم الإسلاميِّ وشعوبها من حيث طرقه، ومراكزه، ومراحله، ومناهجه، ومستوياته.. ولعل الخصوصيَّة تكمن في بعض الأسامي فحسب، مثل: تُؤ غُورو (الشَّيخ المعلِّم)، وهو العالم الذي يقوم بتربية التَّلاميذ والمريدين روحيًّا وعلميًّا، ومقرُّه الـ”فُندق” (pondok) أي الكُتَّاب، وهي عادةً بيوتٌ خشبيَّة مثل سائر البيوت الملايويَّة، ولكنَّها تكون على شكل بيوتات مجمَّعة حول دار الشَّيخ، يقضي التَّلاميذ فيها فترة التَّلمذة؛ لتلقِّي العلوم، ومعايشة الشَّيخ عن كثب، والمشاركة في أعمال صيد السَّمك، والزِّراعة.(*)
ومن مشاهير علماء فطاني: الشَّيخ داود بن عبد الله الفطاني، والشَّيخ نيءْ دِيرْ الفطاني، والشَّيخ زين العابدين بن أحمد الفطاني، والشَّيخ باءْ تشيءْ داود الفطاني، والشَّيخ داود بن إسماعيل الفطاني، وتِينْكو محمود زهدي الفطاني، وباءْ داعي الفطاني، وباءْ تشوهِيمْ الفطاني، والشَّيخ محمد نور الفطاني، وغيرهم من العلماء الفطانيِّين، وكثيرٌ من أولئك تخطَّت شُهرتُهم حدود عالَم الملايو إلى دُوَل شرق آسيا، وإلى سائر بلاد العالَم الإسلاميِّ.
وتجدُر الإشارة إلى حقيقة، هي أنَّ نسبةَ العلماء الفطانيِّين تفوق بكثير قوائم الأسماء المتوفِّرة لدينا الآن لعلماء فطاني، ومردُّ ذلك أنَّ كثيرًا من علماء هذه المنطقة، انشغلوا بالتَّعليم والإقراء والأنشطة الإصلاحيَّة الأخرى في المجتمع، وقد صرَفَتْهم تلك الأنشطة أو غير ذلك من الأسباب والظُّروف آنذاك عن التَّأليف. ونتيجةً لذلك، لم يتوسَّع نطاق شُهرتهم في المكان والزَّمان مثل أقرانهم من العلماء المؤلِّفين في فطاني. هذا، وعلى الرُّغم من ذلك، فإنَّ التَّاريخ المحليَّ قد أنْصَفَ كثيرًا منهم في الأسانيد العلميَّة، وتراجُم المشايخ المتداولة في بلاد جنوب شرق آسيا، وفي العالم الإسلاميِّ، وهي بحاجة إلى باحثين يُلقون عليها مزيدًا من الأضواء.

علماء فطانيُّون في العالَم الإسلامي
لقد أمَّدت فطاني الحضارة الإسلاميَّة بكوكبة من مشاهير العلماء في أفرُع علوم الشَّريعة، وجاء تصدُّرُ أولئك في العلم من كونهم ربائبَ الدَّارات العلميَّة في فطاني قبل أن يخرجوا إلى مختلف مناطق العالَم الإسلاميِّ في الهند والحجاز خاصَّة. كما يمكنُ إرجاعُ تصدُّر بعضهم في العلم –ممَّن لم تكن فطاني مسقط رأسهم أو موضع نعومة أظفارهم- إلى مجرَّد انتمائهم العِرقيِّ إلى هذه المنطقة المعطاء، وكونهم من أُسَر علميَّة جعلت العلم شعَارًا لها يتوارثُه الأبناءُ عن الآباء كابرًا عن كابر، ولا يهدأ للخَلَف فيها بالٌ إلاَّ بالإبقاء على جذْوَة العلم وقَّادةً، والحفاظ على السِّلسلة العلميَّة العشيريَّة موصولة.
من أولئك المشايخ الفطانيِّين الشَّهيرين بالمسجد الحرام بمكَّة المكرَّمة، الشَّيخ داود فطاني (ت1263هـ/1847م)، وهو أشهَرُهم قاطبَةً، وهو أستاذ الطَّلبة الجاويِّين بالحرم الشَّريف، ولا تزال مؤلَّفاته في العقيدة والفقه والعبادات والأخلاق هي المعتمدة في “الفندقات” والمدارس الإسلاميَّة في عالم الملايو، ومنها: كتاب “البهجة المرضية في عُذر تخلُّف المأموم عن الإمام”، وكتاب “البهجة السَّنيَّة في العقائد السُّنيَّة”، وكتاب “الدُّر الثَّمين في عقائد المؤمنين”، وكتاب “غاية المرام في كيفية أداء الحج في الإسلام”، وكتاب “منية المصلِّي”، وكتاب “وصايا الأبرار ومواعظ الأخيار”، وغير ذلك من مؤلَّفاته التي ناهزت المائة، ومعظمها باللُّغة الملايويَّة.
ومنهم الشَّيخ أحمد بن محمد زين بن مصطفى الفطاني، ويُعرف في الوسَط الملايويِّ بلقب: تُوانْ غورو وانْ أحمد، (ت1325هـ/1908م)، وكان أستاذ الكثيرين من الطَّلبة الجاويِّين بمكَّة، ويُقال إنَّه هو الذي غيَّر تهجئة الاسم “فتَاني” بالتاء كما كان يُكتَب بالجاويَّة، إلى “فطاني” بالطاء؛ ليَخرج بالاسم عن معنى “الفتنة” إلى معنى “الفِطنة والذَّكاء”.
ومنهم الشَّيخ محمد بن الشيخ محمد صغير الجاوي الفطاني المكِّي، المعروف باسم محمَّد نور فطاني (1290-1363هـ)، ويُعدُّ من طلائع النَّهضة التَّعليميَّة بالحجاز، وتقلَّد مناصبَ إداريَّة مهمَّة في مجلس المعارف، وغدا قاضيًا بالمحكمة الكبرى في مكَّة، ثم عضوًا برئاسة القضاء.
ومنهم الشَّيخ نيءْ ماتْ كيشيكْ الفطاني (ت1915م)، ويُعدُّ من طلائع العلماء الفطانيِّين، حتى إنَّ بعض الدَّارسين يعدُّونه في المرتبة الثَّالثة بعد القُطْبَين: الشَّيخ داود بن عبد الله الفطاني، والشَّيخ أحمد الفطاني، في غزارة الإنتاج الفكريِّ، والتَّأليف، ومن كُتُبه: “البهجة المرضيَّة”، وكتاب “مطلع البدْرَين ومجْمَع البَحرَين”، وهو أشْهَرُ كُتُبه، وكتاب “الكواكب الدُّريَّة”، وكتاب “البحر الوافي”، وكتاب “الدُّر المضنون”. ومنهم الشيخ محمد يوسف توءْ كَنالي (1870-1933م).
ومنهم العلاَّمة المفسِّر الشيخ إبراهيم بن داود بن عبد القادر الفطاني المكِّي (1321-1413هـ/ 1903-1993م)، الملقَّب بـ”فقيه مكَّة”. كان مفسِّرًا فقيهًا حجَّة، شاعرًا مشهودًا له. درَّس بالمسجد الحرام، ودار العلوم الدِّينيَّة، وتولَّى القضاء، وألَّف الكثيرَ من الكتب والرَّسائل، مثل تفسير العشر الأخير من القرآن الكريم، وشرح على كتاب رياض الصَّالحين، ومنظومة في اصطلاحات المنهاج للنَّووي، وله دواوين منها: ديوان الهمزيَّة، وقصيدة نهج البردة.
هذا، وتجدر الإشارة إلى أنَّ بلوغ فطاني هذا الشَّأوَ العلميَّ العالي، كان نتيجة امتداد طبيعيٍّ للحالة العلميَّة في عالَم الملايو، الحافل بالعلماء الكبار أمثال: الشَّيخ حمزة الفنصوري (ت1527م)، والشَّيخ محمد أرشد البَنْجري، والشيخ شمس الدِّين السمطراني (ت1629م)، والشَّيخ نور الدِّين الرَّانيري (ت1658م)، والشَّيخ عبد الرَّؤوف سِنْغكل (ت1693م)، والشيخ محمد النَّوَوي البَنْتاني (ت1897م)، وأحمد بن عبد اللطيف الخطيب الجاوي المنكباوي، وأمثالهم في الحواضر العلميَّة في عالَم الملايو، وكانت التَّبادُلات العلميَّة نشطة بين تلك الحواضر العلميَّة، يظهر ذلك في سلاسل السَّند الممدودة بين تلك الحواضر؛ إذ نجد كلَّ عالم ملايويٍّ قد تَتَلمذَ على أيدي مشايخ في غير محلَّته، وهو –بدوْره- تتلمذَ على يديه طلبةٌ كثُر من شتَّى البقاع في عالَم الملايو. فالشَّيخ داود الفطاني مثلاً، سافر إلى آتشيهْ الجاوة، وفيها تتلمَذَ على أيدي علماء أفذاذ، منهم الشَّيخ عبد الصَّمد الفلمباني (ت1789م)، وهو –أي الشيخ داود- كان أستاذ طلبة كثيرين في جميع أرجاء عالَم الملايو والهند والحجاز.
ويتَّضحُ أنَّ من أسبابِ تَدَهوُر مكانة فطاني العلميَّة في أرخبيل الملايو، تشتُّت علمائها بفعل الهجرات النَّاجمة عن الاضطرابات التي شهدَتها المملكة، وكان ذلك سببًا في انقطاع حبل السُّرة المباشرة بين الجيل الرَّائد والجيل اللاَّحق. ولكن هذا التَّشتُّت من جانب آخر، كان له وجهٌ إيجابيٌّ؛ إذ خرج علماء فطاني عن دائرة المحليَّة إلى رحاب العالميَّة الفسيح في ماليزيا الحاليَّة، وفي الهند، وفي الحجاز، ولا تزال عشائر أولئك العلماء متصدِّرين –في المملكة العربيَّة السُّعوديَّة خاصَّة- في المجالات العلميَّة والاجتماعيَّة المختلفة.
بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ هذا التَّشتُّت قد أوجَد لدى الفطانيِّين روحًا من الولاء وحبِّ الانتماء إلى مسقط الرَّأس، وأرض الأجداد ؛ فإذا هم يحرصون على التَّواصُل فيما بينهم بالحجاز خاصَّة، ويتصدَّر كثيرٌ من المشايخ الفطانيِّين لتعليم الطَّلبة الفطانيِّين والجاويين في الحرم المكيِّ، وفي المدينة المنوَّرة، ويؤلِّفون الكتب والرَّسائل مستهدفين بها إخوانهم في أرخبيل الملايو. وأيضًا، يحرص كلُّ فطاني على الانتساب إلى هذه البُقعة الغالية؛ فيغلب لقب “فطاني” على معظم أولئك العلماء وإنْ عاشوا جُلَّ حياتهم بعيدين عن فطاني. بل إنَّ الأجيالَ المتأخِّرة، ممَّن لم يعرفوا عن هذه الأرض إلاَّ اسمَها، لم ينفكُّوا عن لقب “فطاني”.
هذا، ولا تنفصل حالةُ فطاني عن الحالة الكليَّة للعالَم الإسلاميِّ الواسع الذي آل إلى ركود وتأخُّر في القرون الأخيرة. كما أنَّ فطاني لم تنعدم في يوم من الأيَّام عالمًا فذًّا، ومصلحًا اجتماعيًّا يلتفُّ حوله النَّاس.

القسم الأوَّل
وهو عن تأسيس مملكة فطاني دار السَّلام، ودخول الإسلام إليها، وسيرة حياة الملك إسماعيل شاه (ظلُّ الله في العالَم)، وأبنائه الثَّلاثة، وأحفاده الذين تعاقبوا على عرش فطاني، وذكرٌ للحروب والمعارك التي وقعت بين مملكة فطاني والمملكة السِّياميَّة، والعلاقات السِّياسيَّة بينها وبين مملكة جوهور، وما آلتْ إليه المملكة من تنافُس وتقاتُل بين الأمراء على السُّلطة إلى انتهاء دولة ملوك الدَّاخل.

الفصل الأوَّل: تأسيس فطاني
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
هذه هي القصَّة التي رواها كبارُ السِّنِّ عن أصل الملك الأوَّل الذي أسَّس مستوطنة فطاني، دار السَّلام.
كان اسم ملك كوتاَ ماليغايْ، بايا تُو كِيروبْ مَهاجانا. كان له ولدٌ سمَّاه بايا تُو أنْتَارا. بعد مدَّة، توفي الملك؛ فخلَفه ابنُه بايا تو أنتارا، وتَسمَّى بايا تو ناكْبا.
كان بايا تو ناكبا، في فترة ملكه، يعتادُ الصَّيد، وذات يوم، حين كان جالسًا على عرشه، وحوله وزراؤُه، وحاشيتُه، وخدَمُه، قال لهم: “لقد بلغني أنَّ الصَّيدَ عند الشَّاطئ ممتع، فهل هذا صحيح؟” أجاب الوزراء باحترام: “يا دولةَ مولانا الملك! إنَّه صحيحٌ كما قلتم، وقد سمعنا مثل ذلك”. حينئذٍ قال بايا تو ناكبا: “إذنْ نادوا جميع النَّاس، لنذهبْ غدًا للصَّيد عند الشَّاطئ”. أجاب الوزراء: “يا دولة مولانا الملك! بتواضع، كلُّنا طوعُ جميع ما يأمُرُ به جلالَتُكم”.
في اليوم التالي، خرج الملكُ مع جميع وزرائه وحاشيته، وجميع النَّاس، وحين وصلوا إلى موقع الصَّيد، نزل النَّاس، ونصبُوا الخيامَ، وحينئذ نزل الملكُ من على فيله، وجلس تحت خيمة، وحوله جميع وزرائه، وجنوده، وخدَمه، كلٌّ في خدمته. أمر الملكُ بعضَ الرِّجال بالذِّهابِ واقتفاء آثار الغزلان، وحين رجع الرِّجالُ، وامتثلُوا أمام الملك، قالوا له باحترام: “حُيِّيتُم يا دولةَ مولانا الملك! في الأحْرَاش عند الشَّاطئ آثارٌ كثيرةٌ للغزْلان”. قال الملكُ: “حسنًا، دعنا نروحُ للصَّيد غدًا صباحًا”.
في اليوم التَّالي، نصب النَّاسُ الشِّراك والفِخاخ، ثمَّ تفرَّقوا في الأحراش يضربون على صفائح الحديد. كان ذلك من الصَّباح الباكر إلى زوال الشَّمس، ولكنَّهم لم يمسكُوا ولو بصيد واحد. كان الملكُ في غاية الدَّهشة؛ فأعطى أمرَه بفكِّ كلاب الصَّيد، وبعد حوالـَيْ ساعَتَين، ارتفعتْ أصواتُ الكلاب بالنُّباح، هرعَ المَلكُ في الحال إلى جهَّة نُباح الكلاب. وحين بلغ الملكُ الشَّاطئَ، وجدَ الرِّجالَ الذين خرجُوا مع الكلاب؛ سألهم: “عَلاَ مَ كانتِ الكلابُ تنبح؟” أجابوا باحترام: “يا دولةَ مولانا الملك! نرجو عَفوَكم ولُطْفَكُم. لقد كانت الكلابُ تنبحُ على غزالة بيضاء بحجم عنْزَة، ولها جلدٌ لمَّاع، ولكنَّها أفْلتَت واختَفَت عند الشَّاطئ هناك”.
حين سمع الملكُ هذا الكلامَ، توجَّه إلى ذلك المكان، وهناك وجدَ زوجَين عجوزَين ساكنَين عند الشَّاطئ، يعيشان على صيد برغُوث البحر (القُرِيدِس)، وبَسْط الشِّراك. أمر الملك رجالَهُ بسؤال الزَّوجَين عن مدَّة مُكثهما بهذا المكان، وعن أصلهما، وباحترام، نقلَ خدمُ الملك سؤالَه إلى الزَّوجَين؛ فأجابا باحترام: “حُيِّيتُم يا دولةَ مولانا الملك. إنَّنا خدمٌ لجلالتكم. إنَّ أصلنا من بلدة ماليغَايْ، أتينا إلى هنا حين عزمَ الملكُ جدُّكم الرَّحيلَ إلى أيوتْيا؛ لتأسيس مدينة بها، وكُنَّا بمعيَّته، ولكنَّنا حين وصلْنا إلى هنا، أصِبْنا بمرض عُضال؛ فبَقينا هنا”. سأل الملكُ: “وما اسمُكُما؟” أجابَ الرَّجلُ العجوز: “اسمي انْتشي تَاني”. بعد ذلك عاد الملكُ إلى خيمَته.
في مساء ذلك اليوم، شاوَر الملكُ وزراءَه وقُوَّاده في رغبته في إقامة مُسْتَوْطَنة بالموضع الذي اختفتْ فيه الغَزالة، وفي صَباح اليوم التَّالي، أمر الوزراءُ النَّاسَ بالذِّهاب إلى ماليغايْ، ولانْهانغ؛ ليأمرُوا جميع الرَّعايا في الجهَّة الأخرى من النَّهر بالمجيء، والعمل في بناء المستوطَنة.
عادَ الملكُ بعد ذلك إلى ماليغَايْ بعد أن أعطَى أوامرَهُ للوزراء مع رجالهم.
بعد شهرَين، كان بناءُ المستَوطنة قد تمَّ؛ فانتَقَل إليها الملكُ؛ ليَسكُنَ بها، وسمَّاها “فطاني دار السَّلام”. وكان الموضعُ الذي اختفتْ فيه الغَزالةُ، هو الموضعَ الذي كان انْتشي تَاني يصيد فيه برغوثَ البَحر، وينصِبُ شراكَه، وهو بوَّابَةُ الفيل من ناحية كِيدي – في رصيف البحر. ويذكرُ كثيرٌ من النَّاس أنَّ المستوطنةَ سُمِّيتْ باسم ذلك العجوز الصَّيَّاد، ولكنَّ الواقعَ أنَّ اسمَ المستوطنة نشأ عن إشاراتِ النَّاس إلى موضع اختفاء الغزالة، حين كانوا يردِّدون: “كِي بَادَا بَانْتايْ إني” أي: هنا اختَفت الغزالة.
ومن هنا بدأت القصَّة.

الفصل الثَّاني: دخول الإسلام إلى فطاني
بعد أن حكمَ الملكُ لعدَّة سنوات، رُزقَ بثلاثة أبناء، كان أكبرُهم ذكرًا واسمُهُ كِيروبْ فِيشايْ بَايْنَا، والوُسْطَى أنثَى واسمُها تُونْكو ماهاشَايْ، والأصغرُ ذكَرًا واسمُه ماهاشَايْ بايْلانْغ.
وحدَث أنْ مرِض المَلكُ مرضًا شديدًا، وتشقَّق جميع جِلده (من البَرَص)، ولمْ ينحجْ في علاجه المنَجِّمُونَ والأطبَّاءُ؛ فأمر الملك كبيرَ الوزراء بدقِّ طبلة الغونْغ في جميع أقاليم مملَكَته، وإبلاغِ النَّاس أنَّ كلَّ مَنْ نجحَ في علاج الملك، وشفائه من مرَضه، فإنَّ الملك سَيختارُه صهْرًا له، ويزوِّجه ابنَتَه. اشتدَّ ألمُ الملك حتى عجِزَ عن الجلوس. جلس كبيرُ الوزراء في الدِّيوان، وأصدَر أوامرَهُ بدقِّ الطَّبلة، وإبلاغ الأمر المَلَكيِّ. وخلال سبعة أيَّام، ضرب النَّاسُ طبلة الغونْغ في جميع أرجاء المملكة دون أنْ يتقدَّمَ أحدٌ لعلاج الملك.
حين وصل الطَّبَّالون بلدة باسَايْ، وجازوا على النَّاس الجالسين بمسجد القرية، كان بين الجالسينَ رجلٌ اسمُه الشَّيخ سعيد. بعد أن سمعَ الشَّيخ سعيد بلاغ الطَّبَّالين، جاء إلى مدخل البلدة، ووقفَ هناك ينتظرُهم، وحين وصلَ إليه الطَّبالونَ قال لهم الشَّيخ سعيد: “ما لكم تدقُّونَ على طبلة غونْغ؟”. أجاب الرَّجلُ المكلَّف بالطَّبلة قائلا: “ألا تدري أنَّ ملك البلاد قد مرضَ مرضًا شديدًا، وأنَّ جميعَ جسده قد تشَقَّق، وقد أعيا جميعَ الأطبَّاء والمنجِّمين مرضُه، وهو يزدادُ ألمًا على ألم؟ لذلك أمرَ الملكُ بدقِّ طبلة الغُونْغ، وأنَّ من استطاعَ أنْ يشفيَ المرض فسَيَصْطَفيه الملكُ صهْرًا له”. قال الشَّيخ سعيد:” ارجعْ وقلُ للملك باحترام إنَّني لا أرغَبُ في مُصاهَرته، ولكن إذا رغبَ الملكُ في الإسلام؛ فسأدَاويه من مرضه”.
حين سمعَ الرَّجُلُ المكلَّف بطبلة الغونْغ ذلك، عاد أدراجَهُ بسُرعة، وأبلغَ وزيرَ الدَّولة بكلِّ ما قال الشَّيخُ سعيد، وفي الحال ذهبَ وزيرُ الدَّولة وأبلغَ كبيرَ الوزراء بِخَبَر الشَّيخ سعيد. بعد أن استمعَ كبيرُ الوزراء إلى وزيرالدَّولة، دخل القصرَ، وامتثَلَ أمام الملك، وباحترام روَّى له ما سمع من وزير الدَّولة. قال الملك: “إذا كان ذلك حقًّا؛ فأرسِلْ إلى الرَّجل في باسايْ”.
حين امتثَل الشَّيخُ سعيد أمام الملك، قال له الملك: “أحقًّا أنَّك قادرٌ على علاجي من مرضي؟” أجاب الشَّيخ باحترام: “إذا رغبَ مولايَ أنْ يصبحَ مسلمًا، فإنَّني سأُعَالجُه من مرضِه هذا”. قال الملك: “إذا شُفيتُ من هذا المرض؛ فسأفعَلُ كلَّ ما تطلُبُه”.
بعد توثيق هذا الشَّرط مع الملك، قعدَ الشَّيخ سعيد يعالجُه. بعد سبعة أيَّامٍ قدر الملكُ على الخروج إلى الدِّيوان للإشراف على الوزراء والقوَّاد، وحينئذ استأذنَ الشَّيخُ سعيد باحترام للعودة إلى داره. بعد ذلك بأيَّام كان الملك قد نَقَهَ واستعادَ عافيتَهُ تمامًا، ولكنَّه أخلَفَ وعدَهُ الذي أبرَمَهُ مع الشَّيخ سعيد.
بعد مُضيِّ سنتَين، مرض الملكُ أيضًا، وشكا المرضَ نفسَهُ؛ فأرسَل أيضًا إلى الشَّيخ سعيد. حين وصل قال له: “رجاءًا عالجْني، وإذا شُفيتُ هذه المرَّة، فإنَّني بالتَّأكيد لن أتجاهَلَ أيضًا شيئًا ممَّا تقول”. قال الشَّيخُ: “إذَا كُنتُم مخلصين في وَعْدِكمْ، فإنَّني سأعالجُ جلالَتَكم، ولكن إذا لم تكونوا صادقين في كلامكُم، فإنَّ علاجي لن ينفعَكُم”. حين سمع الملكُ كلام الشَّيخ أكَّد بوَقَار وعدَه بالإسلام؛ فقَعَد الشَّيخُ سعيد وبدأ في علاجه، وبعد خمسة أيَّام، استأذن الشَّيخ سعيد الملك في العودة إلى داره. لم يمرَّ أكثرُ من خمسة عشرَ يومًا إلاَّ وعُوفي الملكُ من مرَضه، ومرَّة أخرى، عاد الملك في وعده الذي قطَعه للشَّيخ سعيد.
بعد عام، مرض الملكُ مرَّةً أخرى، وكان المرضُ في تلك المرَّة في غاية الشِّدة، حتى أنَّه لم يكن ليقْدرَ على الجلوس ولو لِلَحظة، أرسَل الملكُ في أثَر الشَّيخ سعيد لكن الشَّيخ قال لرسول الملك: “اذهبْ وأخبرْ جلالتَهُ أنَّني لن أداويَهُ أيضًا؛ لأنَّه لم يفِ لي بوُعُوده”. عاد الرَّسولُ وأبلغ الملكَ كلامَ الشَّيخ سعيد، وحينها أمر الملكُ حاجِبَهُ بالذِّهاب إلى باسايْ وقال له: “قلْ له إنَّني إذا عُوفيتُ هذه المرَّة، فإنَّني لن أُخْلِفَ وعدَه. وحقِّ آلهتي، إنْ خالفتُ وعدي، فلا عُوفيتُ بعد ذلك أبدًا”.
ذهبَ حاجبُ الملك إلى الشَّيخ وأبلغَهُ كلَّ ما قالَه الملك؛ فقال الشَّيخ سعيد: “حسنًا، لتَكُنْ آلهةُ الملك شهودي، ولتكنْ هذه الأخيرةَ، وإلاَّ فإنِّني لن أعالجَهُ البتَّة”.
بعد ذلك، ذهب الشَّيخُ سعيد وامتثل أمام الملك، وحين رآه الملكُ بادَره قائلاً: “رجاءًا، عالجني من مرضي هذه المرَّة. وإن عالجْتَني هذه المرَّة، فإنَّني حقًّا، لن أخلفَ وعدك”. قال الشَّيخ سعيد: “حسنًا دعني أعالج جلالتَكُم، وإنْ أصرَرتُم على عدم الدُّخول في الإسلام بعد شفائكُم، فإنَّني لن أعالجَكُم بعد ذلك إذا مرضْتُم، ولو عزمتُم قتلي، فأنا راضٍ بذلك”. وحين سمع الملكُ كلامَه قال: “أجَلْ، إنَّني سأفعلُ جميعَ ما تأمرُ به”؛ فقام الشَّيخُ سعيد بعلاج الملك، وبعد ثلاثة أيَّام، استأذن في العودة إلى قريته. وبعد عشرين يومًا كان الملكُ قد شُفي من مرَضِهِ تمامًا وعُوفي.
بعد شهر من ذلك، حين كان الملك جالسًا في ديوانه وحوله وزراؤه، وقوَّادُه، وخدَمُه، قال الملك: “أجلْ، يا وزرائي وقوَّادي، ما رأيُكم في رغبتي في الإسلام؟” قالوا جميعًا باحترام: “يا دولةَ مولانا الملك! مهما كانتْ أوامرُكم، فما لنا إلا قبولُها؛ لأنَّنا لسنا إلا خدَمًا لجلالتكم”. كان الملك في غاية الفرَح حين سمع جواب وزرائه وقوَّاده. قام ودخل قصرَهُ.
في صبيحة اليوم التَّالي، أرسل الملكُ كبيرَ حُجَّابه إلى الشَّيخ سعيد؛ ليدعُوَه، وأمر الوزير الأوَّل بأن يجمَع كلَّ الوزراء والقوَّاد، وسائر الرَّعيَّة. حين وصل الشَّيخ سعيد برُفقَة كبير الحُجَّاب، وامتثلَ أمام الملك، كان الملك آنذاك جالسًا في الدِّيوان، وفي خدمته جميعُ حاشيَته. احتفَى به الملك احتفاءًا عظيمًا، وقال له: “لقد ناديتُك من أجل وعدي الذي وعدتُك إيَّاهُ، ورغبتي في الدُّخول في الإسلام”. حين سمع الشَّيخُ هذا الكلام، قبَّل يدَ الملك، ووضعها فوقَ رأسه، ثم لقَّن الملك الشَّهادَتين “أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسُوله”؛ فنطق بها الملكُ، وبعد ذلك لقَّن الشَّيخُ سعيد الشَّهادَتين جميع الوزراء والقوَّاد، والخدم الموجودين بالمجلس. وبعد أن لقَّن الجميعَ كلمة الشَّهادة، تقدَّم نحو الملك وقال له باحترام: “سيِّدي، ينبغي الآن على جلالَتكم أن تختارُوا اسمًا إسلاميًّا. هذا؛ ليحظى جلالتُكم بمزيد من البركَة وبشفاعة النَّبي محمَّد رسول الله (^) في الآخرة”. أجاب الملكُ: “إذا كان الأمرُ كذلك؛ فاخترْ لي أنتَ اسمًا”. وهكذا أعطيَ الملكُ اسم “السُّلطان إسماعيل شاهْ ظلُّ الله في العالَم”، وحينها قال الملكُ: “ينبغي أيضًا أن تُعطيَ أبنائي الثَّلاثة أسماءًا إسلاميَّة حتى يكتمل إسلامي”. قال الشَّيخ سعيد: “زاد الله جلالَتَكم خيرًا وبركة، وليحفظَ أبناءكم وأحفادَكم بسلام وأمان على عرش فطاني دار السَّلام إلى قيام السَّاعة”. وهكذا سمَّى الشَّيخُ سعيد الولدَ الأكبرَ: السُّلطان مظفَّر شاه، والبنت الوسطى: سِيتي عائشة، والأصغر: السُّلطان منظور شاه.
بعد ذلك، أهدى الملكُ للشَّيخ سعيد كميَّةً كبيرةً من الذَّهب والفضَّة، ومصنوعات جميلة؛ فاستأذنَ الشَّيخُ سعيد الملك في العودة إلى محلَّته العلميَّة بقرية باسايْ.
في ذلك العصر، كان الإسلامُ محصورًا في الرَّعيَّة داخل المدينة. أما سائرُ الرَّعيَّة في الأرياف، فلم يكن أحدٌ منهم مسلمًا على الأصحِّ. أما الملكُ نفسُه، فقد أسلمَ حقًّا؛ لأنَّه ترك عبادة الأوثان، وأكل لحوم الخنزير، غير أنَّه لم يتركْ شيئًا من عاداته المُنكرة.

الفصل الثَّالث: مِدفَع فطاني
بعد مضيِّ بضع سنين، وصلتْ سفينةٌ من الصِّين بهدايا للملك، مختلفة عن الأشياء (الموجودة في فطاني) في تلك الأيَّام. كان منها قذيفة حجريَّة كُرويَّة في حجم ثماني غالونات. وبعد أن استأذن أمير السَّفينة وعاد أدراجَهُ، قال الملك لجميع وزرائه وقوَّاده: “ماذا ترَون في إهداء هذا القِبطان الصِّينيِّ قذيفة لنا؟”. أجاب الوزراء وأمراء الجيوش باحترام: “مولانا الملك! إنَّنا جميعًا نرجو عفْوَ جلالتكم، ألف معذرة (لا ندري ما السِّرُّ في ذلك)”. قال الملكُ: “أما أنا فأراه كالآتي: إنَّ هذا القبطان الصِّينيَّ التَّاجر البسيط، يهدي إلينا قذيقةً ضخمة بهذا الحجم، ولكنَّنا بوصفنا ملك دولة، لا نملكُ مدافعَ يمكن بها إطلاقُ هذه القذيفة. إنَّ ذلك عارٌ علينا أمام الممالك الأخرى!”. قال الوزراءُ جميعُهم باحترام: “إنَّ ما يقوله جلالتُكم حقٌّ بالتَّأكيد. إنَّنا خدمٌ متواضعون تحت أقدام مولانا، ونحنُ طَوْعُ أمر جلالته”. أجاب الملكُ قائلا: “إذن، يا وزير الدَّولة، مُرْ بضرب طبلة الغونْغ، وأبلغْ الرَّعيَّة أنَّه لا ينبغي لأحد حملُ النُّحاس للتُّجار الأجانب، وسيكونُ الموتُ جزاءَ كلِّ من يخالف أمرنا هذا”. قال الملك ذلك، ثمَّ قام ليدخل قصرَه. حيَّاهُ جميع الوزراء والقوَّاد تحيَّة إجلال، وعاد كلُّ واحد منهم إلى داره، وأمر وزير الدَّولة رجاله بضرب طبلة الغونْغ طِبقًا لما أمرَ به الملك.
وخلال تلك السِّنين الثَّلاث، وصلت سفينةٌ تجاريَّة من مَلاقا. كانت تحمل بضائع جميلة جدًّا. كان تاجرٌ من أصل عشائر مينانْغ كَباوْ، اسمه الشيخ غومباكْ، يعيش في فطاني، وذات يوم أمر الشَّيخ غومباكْ أحد طلبته واسمُه عبد المؤمن بالذِّهاب إلى السَّفينة، وعرض بعض النُّحاس للبيع، وكان قبطانُ السَّفينة راغبًا في شرائها. وعليه، باع الشَّيخ غومباك النُّحاس، ولم يكن لأكثر من أربع بيكولْس، وذات ليلة، أمر الشَّيخ غومباك تلميذه عبد المؤمن بحمل النُّحاس إلى السَّفينة، وهناك لقي عبد المؤمن مراقبي الميناء الذين كانوا يراقبون التُّجار الأجانب؛ فقبضوا عليه.
في الصَّباح التالي، حملوه إلى أمير الشَّواطئ؛ فذهب الأمير إلى الملك وأخبره بخبر الشَّيخ غومباكْ؛ فأمر الملك وزير الدَّولة بقتل الشَّيخ غومباك وتلميذه عبد المؤمن عند بوَّابة الفيل، عند المرْفَأ، وطُرحت جثمانُهما هناك في الجدْوَل، ولكن بإرادة الله تعالى القاهر فوقَ عباده، فإنَّ جثَّة الشَّيخ غومباك انتصبَت فوق الماء إلى حَذْوِ خَصْره، وانتصبَت جثَّة عبد المؤمن إلى حذوِ صدرِه، وبحركة بطيئة، انطلقت جثَّتا الرَّجُلَين إلى الجهَّة الأخرى من النَّهر، الواحدة تلوَ الأخرى، مثل شخصَين ماشِيَيْن، وبحركة سريعة، عادت الجثَّتان إلى ضفَّة النَّهر. دامَ ذلك ثلاثة أيَّام.
حين بلغ هذا الخبرُ داتوءْ بيسارْ، أتى الملكَ يستأذنُه في حمل جثَّة الشَّيخ غومباك وعبد المؤمن؛ فأذن الملك له بذلك، فحمل داتوء بيسارْ الجثَّتين إلى الجهَّة الأخرى من الخليج، وحين شارفُوا الجهَّة الأخرى من النَّهر؟، نزلوا بهما إلى الأرض ليدفنوهما، وبقدرة الله تعالى، تمدَّدت فجأةً جثَّة توءْ بانْجانْغ برفق مع جثَّة تلميذه عبد المؤمن، ولم يكن ذلك قد حدث لجثَّة بشر مِن قَبلُ. وهناك دفنوهما، وسُمِّي الموضع الذي به قبرُهما إلى يومنا هذا بـ”قبر الرَّجلين الصَّالحَين الطَّويلَين”.
بعد مدَّة من ذلك، أمر الملك كبير الوزراء بصُنع المدفع، وكان الذي صَهَرَهُ رجلاً رُوميًّا يقال له عبد الصَّمد، وتمَّ صَهْرُ المدفع بدون خَلَل في قرية كامبونْغ تيمباغا (قرية الحدَّادين)، ولكن لم يمكن إطلاقُه؛ لأنَّه كان دقيقًا جدًّا.
بعد ثلاث سنوات، أمر الملك بإعادة صهر المدفع، وصَنْع ثلاثة مدافع جديدة، وصادف ذلك من هجرة النَّبي (^) سنة 78، عام الفأر، الثَّالث من رمضان، مساء الإثنين (ليلة الثُّلاثاء)، وببركة جلالته، تمَّ صنعُ المدافع الثَّلاثة بلا خلل، فسمَّى المدفع الأوَّل: سيري نيغري، والثاني توكْ-بُوكْ، والأخير نانْغ لِيُو- ليو. هكذا رُوِيَت القصَّة.

الفصل الرَّابع: زيارة الملك مظفَّر شاه الأولى لسيامْ
بعد عدَّة سنوات، توفي الملك؛ فخلفَه ابنُه الأمير مظفَّر شاه، فحكم بالعدل والكرَم، فتوسَّعت أرض فطاني في السَّلام والنِّعمة، وقصَدَها التُّجار الأجانبُ من كلِّ حدَبٍ وصَوب.
بعد مدَّة، وفد رجلٌ آخرٌ من باسايْ إلى فطاني اسمُه الشَّيخ صفيُّ الدِّين، فبنى بيتًا خارجَ أسوار البلدة. أرسلَ الملكُ إلى الشَّيخ صفيِّ الدِّين يسألُه عن أصول الإسلام؛ فأجاب الشَّيخ باحترام: “في كلِّ بلد إسلاميٍّ، ينبغي أن يوجد مسجدٌ، حيث يذهب الجميعُ لعبادة الله تعالى، وليكونَ ذلك علامةً ظاهرةً للإسلام. وأيُّما أرضٍ لم يوجد بها مسجدٌ، فلا وُجُودَ لأمارة ظاهرة للإسلام بتلك الأرض”.
على ذلك، أمرَ الملك الوزير الأوَّل ببناء مسجد حسب وصيَّة الشَّيخ صفيِّ الدِّين، وبعد إكمال بناء المسجد، أطلقَ على الشَّيخ صفيِّ الدِّين لقب “فقيه”. وأصبحت قوانين الإسلام وتعاليمُه أكثر انتشارًا بين سكان المستوطنة، حتى بلغت منطقة كوتا ماليغايْ، وأصبح النَّاسُ ملتزمين بشريعة النَّبيِّ محمَّد (^)، المصطفى المختار من عند الله. ولكنْ على الرُّغم من ذلك، فإنَّهم لم ينبذوا كليَّةً الممارسات الوثنيَّة، مثل تعظيم الأشجار والأحجار، وتقديم القرابين للأرواح. كانوا قد نبذوا فحسب عبادة الأصنام، وأكل الخنازير. تلك القصَّةُ عن أصل الملوك المسلمين في فطاني.
بعد فترة من الزَّمن، حين كان الملكُ جالسًا في ديوانه، وحولهُ وُزَرَاؤُهُ، وقوَّادُه، وسائر حشدِه في خدمته، قال الملكُ للوزير الأوّل: “ما رأيُكَ لو ذهب الملكُ إلى أيوديا؛ لأنَّ الملك هناك ليس غريبًا علينا. وبعدُ، فإنَّ دولَتَين أفضل من دولة واحدة؟”. أجاب الوزراء كلُّهم باحترام: “يا مولانا الملك! إنَّ ما قلتُموهُ صحيحٌ حقًّا، وسيزيدُ ذلك مُلكَكُم مهابةً في عيون سائر الممالك”. أمر الملكُ أميرَ الشَّواطئ بإعداد القوارب، وتمَّ ذلك في غُضُون بضعة أيَّام. ولما حان وقتُ فَأْل، غادر الملكُ متبوعًا بجميع وزرائه الكبار وقوَّاده، مُستخلفًا أخاهُ الأصغر على الدَّولة.
بعد أيَّام من الإبحار، وصل الملك إلى أيوديا، وبسُرعة أبلغ النَّاس عند الشَّواطئ البْراخْلانْغ بمجيء ملك فطاني قائلين بكلِّ احترام: “لقد قدِمَ ملكُ فطاني، وهو يريد الامتثالَ أمامَ جلالة الملك”. بسرعة، ذهب البراخلانْغ إلى جلالة الملك وأبلغَهُ الخبر. كان الملكُ في غاية السَّعادة؛ فأعطى أوامرَهُ بإقامة مراسم لاستقبال السُّلطان مظفَّر شاه.
رسا السُّلطان عند الشَّاطئ، وتقدَّم إلى الملك بهدايا نفيسة؛ فأكرمَه الملك بمزايا تكريميَّة كثيرة، ولم يَدَعه الملك يعود إلى السَّفينة، بل أنزَلهُ منْزلاً بجوار الدَّارة الملَكيَّة.
وهناك مكث السُّلطان مظفَّر شاه شهرَين، وذات يوم أوْمَأ الملكُ إلى الكَلاَهومْ، والـمَاها أَوْ بيراتا، والبراخلانْغ قائلاً: “بلا شكٍّ إن ملك فطاني يرغبُ في الزَّواج في سيامْ”.
ذات ليلة، ذهب الرِّجالُ الثَّلاثة إلى ملك فطاني، وبدأوا يتحدَّثون إليه بكنايات، ويُداعبون الوزراء مشيرين إلى كلام الملك. تبسَّم السُّلطان مظفَّر شاهْ حين استمع إلى هؤلاء الوزراء الثَّلاثة، وفهِم قصدَهُم، ورغبة البراخاوْ. قال الملكُ لكلاهوم: “أجلْ، الأمرُ كما قلتُم. إنَّ البراخاوْ لَمَلكٌ عظيمٌ، ولم يكن لائقًا أن آتيَ إلى هنا، وإذا كنتُم راغبين حقًّا في مساعدتي، فأرجو منكم إذَنْ الاستئذانَ لدى البراخاوْ لي بالعودة. وهَبْكُم أنَّني تزوَّجتُ هنا كما تشيرون عليَّ به، فماذا تكون سُمعةُ البراخاوْ، وهو الملك المعظَّمُ في سائر الممالك، سيكون ذلك عارًا عليه. وأنتم كذلك، ألا تُبدون حينئذ وكأنَّكم لستُم مستشارين ناصِحِين أكْفاء لجلالته؟”. استأذن الرِّجالُ الثَّلاثة في العودة.
في صباح اليوم التَّالي، ذهب الرِّجالُ الثَّلاثة إلى القصر، وامتثلُوا أمام الملك، وباحترام ذكروا له ما سمعوه من ملك فطاني؛ تبسَّم البراخاوْ وقال: “إنَّ هذا الملك الشَّاب لذَكيٌّ. إنَّه إنْ قبِل فَضْلنا هذا، فسيبدو كأنَّنا قد تبنَّيناه. هذا ما سيقوله النَّاسُ. وعلى كلٍّ، إنَّه نفسُه ابن ملك عظيم، دعنا إذن نسمحُ للملك الشَّاب بالعودة إلى مملكته سريعًا، وليَعُدُ إلينا بعد ذلك”.
في مساء اليوم نفسه، ذهب الوزراء الثَّلاثة، وامتثَلُوا أمام السُّلطان مظفَّر شاهْ. قال له الكلاهومْ باحترام: “متى يرغب مولايَ مظفَّر شاهْ في العودة؟”، أجاب الملك: “بإذن سيِّدي الملك، أريد أن أعود في هذا الشَّهر الجاري”. قال الكلاهومْ باحترام: “في تلك الحال، أرى من الأحسن أن يستأذنَ سيِّدي للعودة عاجلاً؛ لأنَّني لا أرى مانعًا لدى الملك للسَّماح لسيِّدي بالعودة”.
بعد ثلاثة أيام، دخل السُّلطان مظفَّر على البراخاوْ يستأذنُه في العودة. قال البراخاو: “ومتى ترغبون في العودة؟”، أجاب الملك باحترام: “إذا سمحَ جلالتُكم بذلك، فإنَّني أنوي الإبحارخلال سبعة أيَّام من اليوم”. عندما سمع البراخاوْ ذلك، التفت وقال لتشاكري: “حسنًا تشاكري، أين الأسرى السُّجناء الذين جيء بهم من بيغُو ولانْهانْغ، أحضِرهم مع أزواجهم وأطفالهم وأعطهم للملك الشَّاب”. أجاب تشاكري باحترام: “مولايَ الملك! إنَّهم جميعًا موجودون. وأنا طوع أمركمْ بكلِّ تواضُع”. حينذاك، وضع الملك أقدامَ البراخاوْ على رأسه، وباحترام استأذنَ للخروج إلى مركبه.
بعد يومَين، جاء تشاكري وامتثل أمام ملك فطاني، وعرض عليه السُّجناء من بيغُو. كان عددُهم ستين، كبارًا وصغارًا. والسُّجناء من لانْهانغ مائة، كبارًا وصغارًا.
بعد سبعة أيَّام من ذلك، وفي وقت سعد، نزل الملك الشَّاطئ، وأبحرَ نحو مملكته، وبعد وصوله إلى فطاني، أُعطيَ أهلُ بيغو مسكنًا عند رصيف البحر في كيدي، وكانت مهمَّتُهم العناية بالفيَلة التي كان الملك يركبُها، وكان اسم إحدى تلك الفيَلة آسينْغ، وأخرى إغْرَاب. أما أهل لانْهانغ فمُنحوا موضعًا للسُّكنى عند الشَّاطئ في بِنْدانْغ باريت.

الفصل الخامس: غارة فاشلةٌ على أيوديا وموت السُّلطان مظفَّر شاه
بعد ثلاثة أشهُر، بلغ السُّلطان منظور شاهْ عن رجل من أهل بيغو السَّاكنين عند رصيف البحر أنَّه يملك قوَّة سحريَّة خارقة؛ فطلب السُّلطان رؤيةَ ذلك الرَّجل. قال له: “حسنًا كَالْوَا (أي صديقي)، رجاءًا انظُر في طلاسمك، أنصبحُ نحن ملكًا أم لا؟”. نظر الرَّجلُ في طلاسمه وقال للأمير بكلِّ تواضُع: “في عامنا هذا، حين يحلُّ الشَّهرُ الثَّاني، فسوف تصبحون ملكًا”. حين سمع الأميرُ قول الرَّجل من بيغو، قال له: “إذا تحقَّقت نبوءتُك، فسوف نمنحُ أبناءك النَّبالة”. قال ذلك ورجع.
وحين كان السُّلطان مظفَّر شاهْ قد غادر سيامْ، فإنَّ السُّلطان منظور شاهْ ظلَّ يختلف إلى توءْ فقيه يسأله باستمرار عن الشَّرائع الإسلاميَّة، كان لتوءْ فقيه ابن اسمُه وان محمَّد، اختاره السُّلطانُ خادمًا خاصًّا له، ولم يدَعه يسكن مع والده توءْ فقيه.
أمَّا عن راجا عائشة، فكان أبوها الملك قد زوَّجها لراجا جلال، وعيَّنه وزيرًا أوَّل. وبعد سنتين من زواجهما، عيَّنهما الملك حاكمَين على سايْ في محفل عظيم، نُفخ خلاله في الأبواق، ودقَّ على الطُّبول. هكذا كانت قصَّتها.
أما السُّلطان مظفَّر شاه، فبعد عودته من سيام، أمر جميع وزرائه وقوَّاده بالتَّأهُّب والاستعداد للسَّفر، وبعد أن استعدُّوا جميعًا، أمر السُّلطان خدَمه بالذِّهاب إلى سايْ؛ لدعوة بَنْدَهارا راجا جلال، فجاء وامتثل أمام السُّلطان، فأَوْكَل إليه أمور الدَّولة؛ لأنَّ أخا السُّلطان الأصغر (السُّلطان منظور شاهْ)، كان مزمعًا على أنْ يرافقَه في سفره. وعندما حان وقت سعد، أبحر الملك مع وزرائه وقوَّاده الشَّباب. وكان بمعيَّته ثلثا عدد الوزراء بينما ترك كبار السِّن من الوزراء خلفه. بالإضافة إلى ذلك، كان بمعيَّته ألف رجل مسلَّح، ومائة امرأة.
بعد عدَّة أيَّام في البحر، وصل الملكُ إلى سيامْ، وفي صَباح اليوم التَّالي، كان في استقباله الأبيا وأوبيرَا جميعهم؛ لأنَّ البراخاوْ كان قد أمرهم باستقبال السُّلطان. نزل الملك، وامتثل أمام ملك سيامْ بهدايا نفيسة كثيرة، حسب تقاليد الملوك حين يتقدَّمون بخطبة زواج. كان البراخاوْ في غاية السَّعادة بقدوم السُّلطان، وشعر نحوَه بعطف شديد وكأنَّ السُّلطانَ ابنُه من صُلبه. ومن فرْط حبِّه له، فإنَّه أنزله منْزلاً بجوار بوَّابة القصر الملكي.
ولدى مغادرة الملك إلى سيام، كانت زوجتُه حاملاً في شهرها الثَّامن، وحين اكتمل حَملها، وضعت غلامًا؛ فسمِّي السُّلطان باتيكْ سيامْ. وكان له قبل ذلك ابنٌ آخر من زوجةٍ أخرى يُدعى راجا بامبانْغ. كان عمره ثلاثين عامًا، وكان يعيش مع أمِّه خارج القصر.
بمرور الزَّمن، ومُكث السُّلطان في سيام، كان عطف البراخاوْ يزدادُ له يومًا بعد آخر، فكان يدخل القصر ويخرجُ بحُريَّة دون أن يتوَجَّسَ منه البراخاوْ أيَّةَ خيفة.
وذات ليلة، شاوَر السُّلطان مظفَّر أخاه الأصغر والقوَّاد في خطَّته لأخذ مملكة البراخاوْ؛ فوافقه الوزراء والقوَّاد على ذلك. وعندما حان وقت احتلال قصر البراخاوْ في صباح يوم جمعة باكر، وكانت بوَّابةُ الدَّارة الملكيَّة حينها مفتوحةً كالعادة، توغَّل السُّلطانُ في الدَّارة مع جميع وزرائه وقوَّاده، وسائر خدَمه ورجاله، ثمَّ أغلقَ البوَّابة، وقتل جميع المَاهات ليو، لكن بعضَهم رجَوه بالإبقاء على حياتهم؛ فتركهم. خرج البراخاوْ مع زوجته ونحو خمس من خادمات القصر للاختباء عند مَرْفَأ السُّفن في رَامْ. وحين عزمت ابنتُه وجواريها أن يتبعْنَه، لم يأذنْ لهنَّ البراخاوْ بذلك. بل طلب منهنَّ البقاء بالقصر. قال لنانْغ آنْغ كياوْ: “امكُثي هنا، واخرُجي لاستقبال هذا الملك الشَّاب”. قال ذلك وغادر القصر؛ فنزلت نانْغ آن كياوْ إلى السُّلطان لاستقباله ومعها جميع الجواري، وهنَّ نحو عشر. قالت باحترام: “معذرةً مولاي، ألف معذرة! إنَّ أباك الملك قد غادر القصر، ولستُ أعلمُ عن مكانه، لكن توجدُ بالقصر هنا أختُك الأميرة مع جميع جواريها”.
حين سمع السُّلطانُ قول نانْغ آن كياوْ المحترم، دخل القصرَ مع أخيه الأصغر، باحثًا مع رجاله عن البراخاوْ. وحينها شاهد السُّلطانُ الطَّبل العملاق معلَّقًا قبالة القصر، نظر يمنةً ويسرةً، فلم يرَ أحدًا. بعد برهة رأى المملوكَ الشَّاب تْشَاهايا، حامل غَلْيُون الملك، كلَّمه السُّلطان آمرًا: “هيهْ، تشاهايا اذهبً واثقُبْ هذا الطَّبل الملكيَّ!”. كان تشاهايا آنذاك في الخامسة عشر من عمره. صعد تشاهايا إلى حيثُ كانت الطَّبلة تتدلَّى، رأى مِضرب الطَّبلة، وبأمر الله القاهر فوق عباده، فإنَّ تشاهايا بدَل أنْ يُحدِثَ ثقبًا في الطَّبلة، أمسك بالمِضْرَب، وضرب به على الطَّبلة ثلاث مرَّات متوالية، كان السُّلطانُ يزجره. وحين سمع وزراءُ البراخاوْ وقوَّادُه وجميع رعاياه صوت الطَّبلة الملكيَّة، تجمَّعُوا كلُّهم ظانين أن البراخاوْ ما زال بالقصر؛ فهاجمُوا القصر من كلِّ جهَّة. خرج وزراءُ السُّلطان ورجالُه، وخاضُوا حربًا مُسْتَعِرَّة ضِدَّ السِّياميِّين. بعد مدَّة، انهزم الفطانيُّون، ولجأوا إلى القصر، وأغلقُوا البوَّابة. وحين رأى السُّلطانُ أنَّ رجاله قد انهزمُوا، غضبَ غضبًا شديدًا، وقرَّر أن يحسم الحرب بنفسه، ولم يُعر أخاه الأصغر ولا وزراءَه أذنًا صاغية، حين رجَوه بلُزوم القصر. خرج السّلطانُ مع أخيه ووزرائه وجميع رجاله، وببسالة شنُّوا هجومًا شرسًا على السِّياميِّين. كان السُّلطان وأخوه يقاتلان مع رجالهما، فقتلوا من السِّياميِّين ووزرائهم عددًا لا يُحصى؛ فانهزم السِّياميُّون وانسحبوا، وتجمَّعُوا بقرية تْشَاكري، لكن السُّلطان أصيب أخيرًا برصاصة اخْتَرَقَتْ ذراعَهُ اليُسْرى.
عاد السُّلطان مع رجاله إلى القصر، فقال لأخيه الأصغر: “أخي، عُدْ إلى فطاني. أما أنا فقَبري هاهنا”. حين سمع الأميرُ الشَّاب كلام أخيه السُّلطان بكى، وانحنى عند قدَمَيه، وقال بتواضُع: “سيِّدي، أرجو عفوك، اعفني من العودة. إنَّني أفضِّل البقاء مع جلالتكم في المَنْشَط والمَكْرَه”. لم يُبال السُّلطانُ بتوسُّلات أخيه. كان الأميرُ يكرِّرُ رجاءَه مرارًا، ويتوسَّل إليه بالبقاء. قال السُّلطان: “إنْ لم ترجع أنت يا أخي، فماذا يكون مصيرُ رعيَّتنا؟ إنَّ مملكتنا ستكون في فوضى بالغة، وستنقطعُ سلسلةُ الحكم في أسرتنا”.
لم تكن للأمير أيَّة حجَّة إلا الإذعانُ لأمر أخيه السُّلطان. إذن، في عَشِيَّة ذلك اليوم، حين استأذن أخاه في النُّزول إلى السَّفينة، أمره السُّلطان باصطحاب جميع النِّساء معه بالإضافة إلى ثلاثة قوَّاد شبان، مع عدد من الرِّجال للإبحار. كانوا كلُّهم حوالي أربعين رجلاً. أما الذين بقَوا مع الملك من الرِّجال والجنود، فكان عددهم ألفًا وخمسمائة رَجُل. كان أخو الملك قد حمَل معه المِدفع نانْغ لِيُو- لِيُو؛ وحين طارده السِّياميُّون، قصَفَهُم به. حمل المدفَع وانتصبَ به واقفًا وقال: “يا نانْغ ليو – ليو، إذا حمَيتني حتى أنفذ إلى فطاني بسلام، فسوف أضرب لك الطُّبول طيلة سبعة أيَّام”. قذف القوارب السِّياميَّة بالمدفَع، فغرق معظمُها، ولم تجرُؤ القواربُ الأخرى على الاقتراب منه، وهكذا نجا الأميرُ إلى عُرْض البحر. وفي ذلك العصر، لم يكن للسِّياميِّين –بالطَّبع- خبرةٌ بالمِلاحَة والحروب البحريَّة؛ لأنَّ مملكتهم كانت بريَّة.
بعد مغادرة أخيه، تابع السُّلطان مظفَّر شاهْ الحرب، ولكن الرُّواةَ لم يعلموا بعد ذلك عن تلك الحرب شيئًا؛ إذ لم يرد أيُّ خبر عن الذين بقَوا مع السُّلطان بأرض السِّيام. فهل هلكوا جميعاً، أم بقوا على قيد الحياة، وأين ذهبوا؟ وعلى كلٍّ، فإنَّ أحدًا منهم البتَّة، لم يعدْ إلى فطاني.

الفصل السَّادس: تولِّي منظور شاه الحكمَ بفطاني، وراجا جلال في سايْ
بعد أن أبحرَ الأميرُ لعدَّة أيَّام، وصل إلى بحر تانْجونْغ، فأصدرَ أمرهُ بالإبحار عبر بِيرَاوَاسْ. رسَت السَّفينةُ عندما وصلت بيراواس، فأرسل الأمير النَّاس إلى آيْ سايْ للمجيء. وبعد يومَين وصل، وامتثل أمام الأمير، فقال له: “اذهبْ إلى راجا جلال، وأبْلغْهُ أن الأعداء من جوهور قد أتَوا من ناحية خلف البحر، وأنَّهم يخطِّطُون للهجوم على سايْ، وأنَّ فَيْلَقًا من سبعين سفينة حربيَّة قد وصلت إلى ترينْغانُو، إضافةً إلى السُّفن الحربيَّة الصَّغيرة، ولا تُعْلمْه بوصولي. وكلُّ من أخبَره بوصولي، فسوف أقتلهُ مع جميع أبنائه وأحفاده، ولن أترك أحدًا من أسرته على قيد الحياة”. أجاب آي سايْ بتواضُع: “أنَّى لي أن أجرُأ على عصيان أوامر جلالتكم؟”. استأذن آيْ سايْ للنُّزول إلى البحر وإبلاغ البنْدهارا كلام السُّلطان منظور شاه. وحين أبلغ الخبر البندهارا، جمَع كلَّ الوزراء والقُوَّاد الباقين في فطاني، وأمرَهم بإعلان حالة الاستنفار بالدَّولة، وأن يطوفوا ليلَ نهار، ويراقبُوا كلَّ صغيرة وكبيرة. قال: “وإذا وُجِد أثرُ نار أو دخان ليلاً أو نهارًا، فسأقتلكم جميعًا. إنَّني ذاهبٌ إلى خلف النَّهر، ولن يطول غيابي، فسأعود في غضون خمسة أيَّام فحسب”.
بعد إصدار تلك الأوامر، ذهب البندهارا إلى سايْ، وحين بلغها، هرع النَّاس المكلَّفون بترصُّده إلى السُّلطان منظور شاهْ في بيراواسْ، وامتثلُوا أمامه قائلين بتواضُع: “لقد غادر البندهارا إلى تابِيهْ”. حينذاك، أعطى السُّلطان الأمر بالإبحار إلى شاطئ فطاني، وحين بلغها رسا، ودخل المدينةَ، وتوجَّه إلى القصر، وتربَّع على عرش الملك؛ فضُربَت طبول التَّتويج له، وجاء الوزراءُ والقوَّاد، وامتثلوا تحت قدَميه محيِّين. بعد ذلك، منح الملك نوَّاب الوزراء، والموظَّفين ألقابَهم ومناصبَهم التي أنابوا فيها عن الوزراء الذين بقَوا مع أخيه الملك بأرض سيامْ. ونُصبت مظلَّةٌ فوق المدفَع نانْغ ليو – ليو، ودُقَّت الطُّبول له ثلاثة أيَّام بلياليها. وخلال تلك الأيَّام، لم تكن الطُّبول قد ضُربت بعدُ للملك نفسه. وحين انتهى دقُّ الطُّبول الرَّسميُّ للمدفَع، دقُّوا الطُّبول الخاصَّة لتتويج الملك حسب العادة والتَّقاليد في تنصيب الملوك على العرش. سرعان ما نُميَت الأخبارُ إلى البنْدهارا راجا جلال بوصول السُّلطان منظور شاه، وتربُّعه على العرش؛ فعادَ أدراجَه على الفور إلى فطاني، وامتثل أمام الملك، وبعد مدَّة استأذن في العودة إلى سايْ، وهناك ظلَّ حاكمًا.
بعد مضيِّ زمن، توفي البندهارا راجا جلال؛ فدعا السُّلطان أخته راجا عائشة للعودة إلى فطاني، ولم تكن قد رُزقَت بأبناء، وإنَّما كانت قد تبنَّت (ابن أخيها) السُّلطان باتيكْ سِيامْ. وحينها كان كلُّ مَن عُيِّن في منصب الوزير الأوَّل بفطاني يطمع في حكم سايْ، ولكنَّ الواقع، أنَّ سايْ لم تكنْ ذات حكم مستقلٍّ؛ لأنَّ حكم البندهارا راجا جلال وتعيينه بها، كان تعيينًا خُصوصيًّا.

الفصل السَّابع: غارة باليمبانْغ على فطاني
انتشرتْ شائعةُ مقتل السُّلطان في سيام مع جميع الوزراء والقوَّاد والفطانيِّين المصاحبين له، وأنَّه لم يبق بأرض فطاني رجلٌ قادرٌ على قتل دجاجة. وصلت تلك الشَّائعةُ إلى باليمبانْغ؛ فأمر سلطان باليمبانْغ أحد كبار ضباطه ويُدعى كِيايْ بدَرْ بالذهاب إلى فطاني، والإغارة عليها، حاملاً معه نحو عشرة آلاف رجل. حين بلغ كياي بدر ميناء فطاني، خاض حربًا ضارية ضدَّ أهالي فطاني طيلةَ خمسة أيَّام بلياليها دون أن يقدر على الرُّسوِّ بالميناء، وباءت جميع محاولاته بالفشل، وحينها عاد أدراجَه، وحين وصل باليمبانْغ، قصد القصر واستأذن بالدُّخول على السُّلطان، وروَّى له فشَله في حربه مع فطاني.
في ذلك الوقت، كان للسُّلطان باليمبانْغ موظَّفٌ كبيرٌ اسمه كيايْ كيلاسَنْغ، وكان حاضرًا بالبلاط، قام وتحدَّى كيايْ بدرْ قائلاً: “عارٌ! فلو كان جلالةُ السُّلطان بعثَني؛ لقدرتُ خلال يوم واحد من وصولي إلى فطاني، من الذِّهاب إلى القصر الملكي، لتناوُل طعامي هناك”. اشتاط كيايْ بدرْ غضبًا بسماع هذا الكلام من كيايْ كيلاسَنْغ. قال: “لا ينبغي لك أن تَتَفوَّهَ بهذا الكلام! وبعد، فإنَّ ملك فطاني ملكٌ معظَّم، وأعتقد أنَّك –بعيدًا عن تناوُل طعامك في ديوان الملك يوم وصولك إلى فطاني- فإنَّني أتحدَّاك أن تقدر على النُّفوذ خلال ثلاثة أيَّام إلى بوَّابة القصر الكبرى، وإن استطعتَ ذلك، فلك أن تأخذ زوجتي”.
بعد ذلك، أمر السُّلطان باليمبانْغ؛ كيايْ كيلاسنْغ بالإغارة على فطاني، وأن يحمل معهُ حوالي مائة ألف مقاتل. وحين وصل إلى فطاني، بدأ يقصِفُ السَّاحل، وهو يشقُّ طريقه نحو الميناء؛ فانهزم أمامه أهل فطاني، وانسَحبُوا إلى داخل البلدة، فأتبَعَهم أهل باليمبانْغ حتى وصلوا إلى الميدان عند بوَّابة البلدة الكبرى، وهنا شنَّ أهل فطاني هجُومًا عكسيًّا من داخل أسوار البلدة، ولم يُفلح كيايْ كيلاسنْغ في الاقتراب من قاعدة السُّور؛ لكثرة البَنادق المنصُوبة على قمَّتها. وعلى امتداد الأسوار، لم يكنْ بُعدُ البنادق بعضِها عن بعض إلاَّ بمقدار “فاتومْ” واحدة. أطلق عليهم الفطانيُّون المِدْفع المسمَّى سيري نيغيري، والمدفع نانْغ ليو – ليو، والمدفع توك – بوك؛ فقُتل منهم عددٌ كثيرٌ، وجُرح منهم عددٌ لا يُحصَى. كانوا مُلقين على الأرض صفًّا صفًّا. وببركات السُّلطان منظور شاه، انهزم أهلُ باليمبانغ وهربوا، وانسحب كيايْ كيلاسنْغ إلى الميناء، وأقلع قافلاً إلى باليمبانغ.
ويَروي كبارُ السِّن أنَّ قذائف مدفع سيري نيغيري، كانت تصل حتى كوالا بانْغ بَليمو، وكانت قذائف ليو – ليو تسقُط في الضَّفَّة الأخرى من نهر كوالا بيكاهْ. أما طلقات مِدفع تو – بوك، فكانت تسقُط بقرية ميندهارانْ، وقد أحدثت تلك المدافعُ الثَّلاثة، موَتانًا كبيرًا في جيش باليمبانغ حين كانوا يهربون إلى زَوَارِقِهم، وجَمع الفطانيُّون غنائمَ كثيرةً على السَّاحل. وكانت المدَّة بين غارة كيايْ بدرْ، وغارة كيايْ كيلاسنغ، أربعون يومًا، وقال بعضُهم: شهران.
وبعد زوال مَخاوِف العدوِّ من باليمبانغ، ومرور شهر، أمر الملك بإزاحَة الأسوار من النَّاحية البريَّة إلى الدَّاخل قريبًا من الخَندَق المائيِّ الذي يجري عبر البلدة؛ لأنَّ البلدةَ كانت قد خَلَتْ من ثُلث سكَّانها، وكان الثُّلث الأخير قد بقي بسِيامْ. وهذا سببُ ضيق بلدة فطاني من النَّاحية الشَّرقيَّة؛ لأنَّ الأسوارَ تابعة لمجرى الجدْوَل الذي يشقُّ البلدة.

الفصل الثَّامن: أبناء منظور شاهْ السَّبعة
كان للسُّلطان منظور شاهْ سبعةُ أبناء: خمس إناث، ووَلَدان اثنان: كانت الكبرى تُدعى راجا إجاوْ، تتبَعُها راجا بِيرُو، وبعدها راجا أونْغو، والرَّابعة اسمُها راجا كونِنْغ، وكان الخامس من امرأة أخرى له، وكان ذكرًا واسمُه راجا بيما، والسَّادسةُ من زوجة أخرى واسمُها راجا إيماسْ كريتشانغ، وآخرُهم ذكرٌ واسمُه سُلطان بهدُور شاهْ. وتُوفِّيت راجا إيماس كرتشانْغ وعمرها خمس سنوات فحسب، وكان السُّلطان يحبُّها كثيرًا؛ فبنى لها ضَريحًا من الذَّهب قريبًا من القصر، ومنع النَّاس عن دقِّ الأرزِّ طيلة أربعين يومًا ببلدة فطاني؛ مخافةَ أن يُزعِج ذلك جثَّة الأميرة الصَّغيرة، وكان كلُّ مَن أراد أن يدقَّ الأرزَّ، يقصد ناحيةَ نهر سونْغايْ بانْدانْ، أو يدقُّها بِحَجَرة المدقّ.
أما الأمير الصَّغير بهدور شاهْ، فإنَّ الملك جمع له أبناء الوزراء والنُّبلاء؛ ليكونوا في خدمته، وأخذ أيضًا ابن الطَّبيب المنَجِّم الآتي من بيغو، ومنحه اسم ألُونْغ إنْ، وألغى اسمَه البورْمي. كذلك أخذ واحدًا من أحفاد توءْ فقيه، وكان اسمُه وانْ جهْرُ الله. أما الأميرة راجا أونغو، فتزوَّجت بملك بهانغ.

الفصل التَّاسع: مهمَّة وانْ محمد في سيام
كان السُّلطان جالسًا في الدِّيوان ذات يوم، وفي خدمته جميعُ وزرائه وقوَّاده، إذ قال لهم: “إنَّنا نرغبُ في بعث رسول إلى سيامْ” أطرقَ جميع الوزراء والقوَّاد إلى الأرض، ولم ينبِسْ أحدٌ منهم ببنت شَفَة. تابع الملك قوله: “فمَنْ منكم يرغبُ في القيام بهذه المهمَّة في سيامْ؟ إنَّنا نريد أن نُرسل إلى البراخاوْ مبعوثًا، حتى يأتينا بخبرٍ عن أخينا الموجود بين أظهُرهم في سيامْ”. قال الوزراء والقوَّاد باحترام: “يا مولانا الملك! ما نحن إلاَّ خدمٌ متواضعون تحت أقدام جلالتكم. وكلُّنا طوْعُ أوامر جلالتكم، مهمَا كان ذلك الأمر؛ فلا يستحقُّ أنْ يُدعى خادمًا إلا من يطيع الأوامر طاعةً مُطْلَقة”. عندها قال الملك: “هذا ليس مرادَنا، إنَّنا لا نبحث الآن عمَّن يطيع الأوامر”. ردَّ الوزراء جميعُهم: “إذا كانت سماحةُ جلالتكم وعفوُكم تَغْمُرنا جميعًا، وبدل أن يُرسِلَنا إلى سيامْ (إلى موتٍ محقَّق)، فإنَّنا نأمُلُ أنْ ينفذَ فينا جلالتُكُم مشيئَتَه هنا، حتى يشْهَد الخدَمُ الضُّعفاءُ كيف نموتُ هنا من أجل جلالَتكم. بالطَّبع، من المحال لنا أن نَعصي شيئًا من أوامر جلالتكم”. حينما سمع الملك كلام وزرائه وقوَّاده، أطرق إلى الأرض متأمِّلاً مُدرِكًا صدق مقالتهم. ظلَّ صامتًا.
بعد ذلك بفترة، كان الملك جالسًا على منصَّة في أقصى الدِّيوان، وضابطاه الحاجِبان قائمان في خدمَته، كان هناك سيري نارا إنديرَا، وجميعُ الخَدَم، والوُصَفاء، وخدَمُ الملك الخصُوصيُّون، وكان هناك أيضًا وانْ محمد في خدمة الملك، إذ قال الملك: “يا محمد، ماذا ترى عن رغبَتي في إرسال مَبعُوث إلى سيامْ؟ إذْ لم يُبادرْ أحدٌ من الوزراء والقُوَّاد بإبداء رغْبته في الذِّهاب إلى هناك”. حين سمع وان محمد قول جلالته، نزع خِنْجَرَه من وسطه، ووضعه على الأرض، وجثَا على رُكبَتَيه، وحيَّى الملك ثلاث مرَّات متوالية، وباحترام قال: “سلامًا يا مولاي! ليَعُمَّ الله ببركاته على جلالَتكم وليُديمَ السُّلطة في عَقِبِكُم إلى قيام السَّاعة. أما أنا، فخادمٌ متواضعٌ يعيشُ بفضلكُم ليلَ نهار، عبدٌ ذليلٌ تحت أقدام جلالتكم، ليس لديَّ أيُّ رأي أُبديه تحت أقدام جلالَتكُم النَّبيلة، فليس لهذا المملوك غير لحمه ودمه فداءًا لجلالتكم. أما عن الرَّأي، فليس لهذا العبد المغَفَّل رأي”. بعد أن استَمَع الملكُ إلى وانْ محمد، صمَتَ بُرهةً، ثم قال: “يا محمد، أترضَى بالذِّهاب إلى سيامْ؟”، أجاب وانْ محمد باحترام: “يا دَولةَ الملك! إنَّني طَوْعُ جميع أوامر جلالتكم”.
في صباح اليوم التَّالي، خرج الملكُ للجلوس بالدِّيوان، وفي خدمته وزراؤُهُ وقوَّادُه، وسائرُ رعاياهُ. قال: “إنَّنا نأمُلُ في إرسال محمد إلى سيامْ في خلال سبْعَة أيَّام”. أجاب الوزراءُ والقُوَّادُ بتواضُع: “يا مولانا الملك! إنَّنا طَوْعُ جميع أوامر جلالتكم”. حينها أمرَ الملكُ الوزيرَ الأوَّل بإعداد لَوَازم السَّفر إلى سيام، طبقًا للتَّقاليد التي أرساها أخو الملك الأكبرُ، حين كان يُرسل برمز وَلائه إلى البراخاوْ. وفي يوم فَأل، كان الملك جالسًا في الدِّيوان على رانْغكايْ راسي (عريشٌ مبخَّر)، وفي خدمته جميعُ وزرائه وقُوَّاده، إذ أرسلَ إلى وانْ محمد بالمجيء، وحين جاء، أهدى إليه الملك ثيابًا، وأبلَغَه الضَّابطان الحاجِبان رسالة الملك قائلَين له: “يا وانْ محمد، بأمرٍ مِنْ جلالته، فقد مُنِحتَ لقب أورانْغْ كايا سيري أغارْ ديراجا”. جثاَ سيري أغارْ واضعًا على رأسه قدَمَيْ جلالته، ثمَّ استأذنَ للنُّزول إلى قاربه، وأبحَر.
بعد عدَّة أيَّام من الإبحار، وصل سيري أغارْ إلى سيام؛ فأبلَغَ النَّاسُ الفْراخلانغ بمجيئه، وبسُرعة ذهب إلى قصر الملك، وباحترام، أبلَغَه بوصول مَبعُوث من فطاني، وأنَّه يرغَبُ في الامتثال أمام جلالته. سُرَّ الملكُ كثيرًا بكلام فراخلانغ، فقال له: “مُرْ بعضَ الرِّجال بالذِّهاب والتَّرحيب بقارب المبعوث من فطاني، وليأتُوا بهم عاجلاً إلى الشَّاطئ”. استأذن الفراخلانغ بتواضعٍ وخرج آمرًا رجالَهُ بإحضار قارب سيري أغارْ إلى الشَّاطئ.
في صباح اليوم التَّالي من وصولِهم، حُمِلت الهَدايا والخطاب من فطاني في مَوْكب رسميٍّ، متْبُوعَةً بدقَّات طبلة الغونغْ والأبواق، ونُشرت المِظلاَّتُ ذات الحافَّات الصَّفراء عنْ يمينَ ويسار الفيل الذي كان يحمل الخِطابَ، وحين وصلتْ، قدَّم الحاجبُ الخطاب والهدايا باحترام إلى الملك، وكان الملكُ في غاية الانشراح والسُّرور حين سمِع مضْمُون الخطاب، وبعد أن قُرئ الخطابُ، حيَّى سيري أغارْ الملك. وبعد أن جلس سيري أغارْ بُرهةً من الزَّمن، أكرَمَه الملك وخلع عليه حُلَّة فاخرةً. بعد ذلك استأذَنَ الملكَ في العودَة إلى قاربه.
بعد عشرين يومًا، ذهب سيري أغارْ لزيارة البراخلانغ وللاستئذان في العودة، فأتى به البراخلانغ إلى القصر للمُثُول أمام الملك. قال لهُ الملكُ: “يا سيري أغارْ، ارجعْ فوْرًا إلى فطاني؛ لأنَّ مَلك فطاني، بلا شكٍّ، قلقٌ عليك بسبب ما اقتَرَفَهُ أخوه. إنَّنا قد غَفَرنا لهم”. قال سيري أغارْ بتواضُع: “يا دولةَ الملك! إنَّّ الخادمَ الحقيقيَّ هو الذي يحيا بعَفْو مولاهُ، ويموت بسَخَطِ مولاه”. بعد ذلك أُكرِمَ سيري أغارْ بِوَليمة، وبعد أن أكل، جيء له بهدايا مَلَكيَّة من اللِّباس، وبعد أن ارتداها، وضعَ قدَمَي الملك على رأسه، واستأذنَ في النُّزول في قاربه؛ فجيءَ بالخطاب الملكي، وبهدايا كثيرة من الملك، وأُمِر جميعُ الموظَّفين بتقديم هدايا إلى سيري أغارْ حسب وُسعِهِم، فكانت هدايا وفيرة.
بعد أن وصَل سيري أغارْ إلى قاربه، سرعان ما وصل مَوْكِبُ الخِطاب والهدايا؛ فحمل وانْ محمد خطاب الملك فوق رأسه، ودخل به المقْصُورة، وسُرَّ جميعُ الموظَّفين الذين أتَوا بالخطاب سرُورًا عظيمًا حين رأوا تعظيم سيري أغارْ لخطاب جلالته. بعد أن أُنزلت جميعُ الهدايا في القارب، أبْحَرَ سيري أغارْ، وحين بلغ عُرض البحر، نشَرَ شِراعَه.
بعد عدَّة أيَّام من الإبحار، وصل سيري أغار إلى شواطئ فطاني؛ فأطلقَ المدافِعَ. وفي صباح اليوم التَّالي، قدَّم الرِّسالة إلى البريد بالطَّريقة الرَّسميَّة؛ لتُحمل في مَوْكب إلى القصر، وحين دخل الدِّيوان، حيَّى الملك فدُعي للمثول بين يدي الملك؛ فَدَنَا وهو يَحْبُو على أربع، انحنى حين اقترب من الملك، وانحنى الملكُ نحوَه قليلاً، وقبَّل رأس سيري أغارْ قائلاً: “إنَّني برؤيتي محمدًا وقد عاد سالمًا، أشعُرُ كأنَّني أرى أخي حيًّا مرَّة أخرى بسيام”. قال جميع الوزراء والقُوَّاد باحترام: “يا دولةَ الملك! لتَمتدَّ بركاتُ جلالتكم على العرش”. انحنى له سيري أغارْ مرَّة أخرى، ثمَّ تقهقَرَ للجلوس في مجلسه. وقُرئت الرِّسالةُ بصوت عال، وكان الملك في غاية البهْجَة والسُّرور لدى استماعه إلى الرِّسالة، وما أضْفاهُ البراخاو على محمد من تكريم، وكان جميعُ الوزراء والقوَّاد في غاية السُّرور بتجاوُز البراخاوْ عن سوء أفعال (أخي) الملك الأكبر.

الفصل العاشر: مقتلُ السُّلطان باتيكْ سيامْ على يد راجا بامبانغ
على الرُّغم من أنّ السُّلطان بهدور كان له عددٌ كبيرٌ من الخدَم الذين لم يكن يُسمَحُ لهم بمغادرته، فإنَّ جهَرُ الله وألُونْغ إنْ لم يكن يُسمح لهما بتاتاً بمفارقته. لم يكن لهما أن يعودا إلى ديارهما لحظةً بعد ستَّة أو سبعة أيَّام من العمل. كان يركبُهما مثل فيل. كان الملكُ قد أمر بصُنع مِهْمَاز ذهبيٍّ للأمير، وبهذا المهمَاز كان السُّلطان بهدور يضرب على رؤوس هذَين الرَّجلَين، وكان الدَّمُّ يسيلُ منهما أحيانًا حين كان يضربُهما. وحين كان يستحمُّ أو يأكلُ، كان يجلسُ على ظهر أحدهما. وكان جَهَرُ الله لا يُفارقُه بُرهةً من الوقت. وحين كان الأميرُ يجلسُ على ظهر أحد هذين الرَّجلين للاستحمام، كان يُهديه ثوبًا جديدًا. كان ذلك دأبَ السُّلطان بهدور شاهْ مع هذين الخادِمَين.
وبعد أن ظلَّ السُّلطانُ منظور شاهْ عدَّة سنوات على العرش الملكيِّ، مرض؛ فأعطى وصاياهُ الأخيرة: “حين تَذبُل الورودُ على الضَّريح الملكيِّ، فحينها ينبغي أن يُتوَّجَ باتيكْ سيامْ ملكًا”. بعد وفاة الملك، تُوِّج السُّلطان باتيكْ سيام ملكًا، وكان عُمره آنذاك تسعة أعوام فحسب. وخلال مراسم التَّتويج، أُجْلس في حضن راجا عائشة التي سمَّاها النَّاسُ “براخاوْ” أي الملكة؛ لذلك يُطلق النَّاس عندنا هنا في فطاني على كلِّ ملكة لقب “براخَاوْ”.
بعد أن حكم السُّلطانُ باتيكْ سيام لعدَّة أعوام، كان هناك موظَّف اسمه سيري عَمْرَة. وذات يوم، ذهب سيري عَمْرة إلى راجا بامبانغ، وامتثل بحضرته وقال له باحترام: “لماذا يظلُّ سيِّدي ساكتًا عن أمور الدَّولة، ولا يريد التَّدخُّل فيها؟ إنَّ سيِّدي الآن أفضلُ مَن يقوم بأمور الدَّولة؛ إذ أنَّ المَلك أخاكُم الأصغر لا يزالُ صغيرًا جدًّا”. قال راجا بامبانغ: “أيُّها السَّيد، تعلمون أنَّني رجلٌ بلا سُلطة، فكيف لي أنْ آمرَ بشيء في شؤون الدَّولة، مهما كان ذلك الرَّأيُ سديدًا؟”.
قال سيري عَمْرة باحترام: “إنَّني أعاهد سيِّدي على إجلاسه في هذا القصْر كلَّما رغب في أخذ أمور الدَّولة”. أجاب راجا بامبانغ: “إذا كان ما تقوله حقًّا أيُّها السَّيد، فإنَّني عالمٌ بما أكافئُك به على إخلاصك”.
وبعد مُضيِّ شهرَين، أبرَمَ سيري عَمْرة اتِّفاقًا مع راجا بامبانغ، وكان هناك رجلان أو ثلاثة من الموظَّفين في القَصر، اتَّفقوا على نُصرة راجا بامبانغ. وذات يوم، في وقت الغروب، حين كانت بوَّابةُ الدَّارة الملكيَّة مفتوحةً، ركب راجا بامبانغ فيله. كان جالسًا مع أمِّه على الفيل، كلُّ واحدٍ منهما في ناحية من الهَوْدَج. دخل الدَّارة الملَكيَّة يتبَعُهُ سيري عَمرة، وسائر الموظَّفين المُتآمرين معه. حين وصَلوا إلى الدِّيوان، أوقف راجا بامبانغ الفيل عند مدخل الدِّيوان، ونزل ومشى إلى داخل القصر تاركًا أمَّهُ على ظهر الفيل. كان السُّلطانُ باتيكْ سيام آنذاك جالسًا مع الملكة (سيتي عائشة)، وحين لاحظت الملكةُ تصَرُّف راجا بامبانغ المُريب، أخذت السُّلطان باتيك سيام بسرعة واحتَضَنَتْه. قال لها راجا بامبانغ: “ضعي أخي، ولا تحمليه في حِضْنك”. ردَّت الملكةُ: “اقتُلني أوَّلاً، وبعد موتي يمكنُك أن تفعلَ بأخيك ما تشاءُ”. وهكذا طَعن راجا بامبانغ السُّلطان باتيك سيام وهو في حضن الملكة.
بعد مقتل السُّلطان باتيك سيام وأخته خرج راجا بامبانغ إلى أمِّه بالدِّيوان، وركب فيلَه مغادرًا القصر إلى داره. وحين شارفَ المحلَّة العلميَّة، المقابلة لبوَّابة الفيل، طعَنَه في جنبه سيري عَمرة واخترقه الرُّمح؛ فسَقط راجا بامبانغ من على الفيل ومات، وماتت أمُّه أيضًا على ظهر الفيل؛ إذ طعنها الرِّجال الذين كانوا تحت الفيل. بذلك وقعت الدَّولة في فوضى كبيرة، وقيل إنَّ راجا بامبانغ حاول نزْع السُّلطة من أخيه عَنْوَة، لكن سيري عمرة تصدَّى له وقَتَله.

الفصل الحادي عشر: مقتل السُّلطان بهدور شاه على يد راجا بيما
بعد ذلك، اجتمع الوزراء والموظَّفون بالدَّارة المَلَكيَّة، وتَوَّجوا السُّلطان بَهْدُور ملكًا. ودُفِنت جثمان القَتْلى الأربعة من الأسرة الملَكيَّة على مَقربة من المحلَّة العلميَّة في النَّاحية الشَّرقيَّة من البلدة، على مشارِفِ قرية داتوء وانْغ كيبودالْ. وكان السُّلطان بهْدُور آنذاك في سنِّ العاشرة من عمره.
وفي ذلك الوقت، كان يوجد موظَّفٌ آخر اسمُه سيري عمار بَهْلَوَان. وذات يومٍ، ذهب سيري عمار بهلوان لزيارة راجا بيما، فخاطَبه قائلاً باحترام: “إنَّ أخاك الأصغرَ مَلكٌ بالاسم فحسب. وعلى كلٍّ، فإنَّه عاجزٌ عن أخذ أيِّ قرار في أمور الدَّولة؛ إذ أنَّه لم يبلغ بعدُ سنَّ الائتمان على الأسرار. فلو كان مولاي الملكَ؛ لقَدَر مولاي على حكم البلاد على أفضَل وجه”. أجابه راجا بيما قائلاً: “أيُّها السَّيد، لا ينبغي أن تَتَفَوَّه بهذا؛ فليس مِن اللاَّئق أنْ يسمَع النَّاسُ بهذا الكلام”. قال سيري عمار بهلوان: “إنَّ لكلامي سببًا؛ فماذا لو هاجمنا عدُوٌّ، ألن تكون القَراراتُ بِيَد الوزراء والقُوَّاد أنفُسِهم فحسب؟ ولن يكون لأخيكم الأصغر أيُّ رأي فيما يجري. أما لو كان مثلُ مولاي الملكَ؛ لكان له رأيُه، وأوامرُه على الوزراء فيما ينبغي لهُم فِعْلُه. على كلٍّ، فإنَّني أرى أنَّ من الأحسن، أنْ يحلَّ مولاي محلَّ أخيه الأصغر، إلى أنْ يبلُغ مبلغَ الرِّجال، ويكون قادرًا على حكم البلاد”. قال راجا بيما: “أيُّها السَّيد، إنَّك الوحيد الذي تقول مثل هذا الكلام، ويبدو أنَّ أحدًا من الوزراء والموظَّفين لا يرى مثلَ هذا الرَّأي”. بعد ذلك لازمَ سيري عمار زيارةَ راجا بيما، وإعادةَ هذا الكلام على مَسامَعِه باحترام.
بعد فترةٍ من حكم السُّلطان بهدور، وذات يوم عند زوَال الشَّمس، ركِب السُّلطان بهدور فيله المسمَّى سيري نيغيري؛ للتَّجوُّل في الدَّارة الملَكيَّة، متبوعًا بخَدَمه. كان طولُ سيري نيغيري آنذاك أربعة أذْرع وكان السُّلطان يحمل المهماز جالسًا على رأس الفيل. خرج مع الفيل خارج أسوار الدَّارة الملَكيَّة، وكان وانْ جهَرُ الله مُمسِكًا بأذُن الفيل اليُسرى، وألُونْغ إنْ باليُمنى، متَّجهين نحو البَوَّابة الكبرى.
كانت توجد فيلةٌ أخرى اسمُها جارومْ بِيرَاكْ فوقها هَوْدَج، وحين رأى سائسُ الفيلة السُّلطان قد خرج من الدَّارة، ساق الفيلة في أثَرِه؛ ليُرافِقَه. وحين وصلوا إلى بوَّابة قرية راجا بيما، خرج راجا بيما ليُرافق أخاهُ في نُزهَته. وحين رأى وانْ جَهَرُ الله راجا بيما ماشيًا، ذهب إليه وبادَرَه قائلا: “من الأحسَن لمولاي أنْ يتفضَّلَ بركوب الفيلة الملَكيَّة”، قال له راجا بيما: “حسَنًا”. نادى وانْ جهر الله على الفيلة، وجعَلها تَبْرُكُ، فَركِبَها راجا بيما؛ ليَلْحَق بأخيه.
حين وصل السُّلطانُ بهدور إلى موضع الجُدران الأربعة، توقَّف لحظة، وحين نظر خلفَهُ ورأى أخاه الأكبرَ راجا بيما راكبًا جارومْ بيراكْ، قال: “مَن الذي سَمَح لراجا بيما بركوب تلك الفيلة؟”، قال وانْ جهر الله باحترام: “أنا يا مولاي”. وحين توقَّف السُّلطان بهدور كان قد وضع قدمَهُ على عاتِق ألُونْغ إنْ، وحين سمع كلام وان جهر الله قال: “أهيَ فيلةُ أبيك حتى تَسْمح لراجا بيما بركوبها؟”. قال ذلك، ودفَع عاتِقَ وانْ جهر الله بقدَمه آمرًا: “اذهبْ وأنزِلْ راجا بيما من عَلى تلك الفيلة!”. ذهب راجا جهرُ الله إلى راجا بيما وقال له: “إنَّ أخاك جلالة الملك يأمرُك بالنُّزول”، وحين سمع راجا بيما كلام جهَرُ الله، نزل مِنْ عَلى الفيل وبكى. ركب السُّلطانُ بعد ذلك فيلَهُ إلى القصر، وصحب راجا بيما أخاهُ الأصغرَ إلى حذْو بوَّابة الدَّارة الملكيَّة، ثمَّ عاد إلى البيت.
بعد فترة، أتى سيري عمّار بهلوان لزيارة راجا بيما، فأخبرَهُ بقصَّته مع أخيه، وأنَّه أمره بالنُّزول من على الفيلة، وبكى؛ فتأثَّر سيري عمار بهلوان بحال راجا بيما؛ فقال له باحترام: “ما سببُ بكاء مولاي؟ إنَّني مستعدٌّ لأخذ مولاي إلى قصر أخيه”. أجاب راجا بيما قائلا: “حسنًا، إذا كنتَ تحبُّني حقًّا، أيُّها السَّيد، فإنَّني لن أنس لك هذا الجميل” قال سيري عمار باحترام: “إذا كان مولاي يرغب في الذِّهاب رأسًا إلى القصر، فأرجو أنْ ينتظر سيِّدي دَوْرِي القادم في الحراسة بالقصر، فحين تنفتحُ بوَّابة الدَّارة الملكيَّة، فسآتي لأخذِكُم، وأرجو أن يكون سيِّدي هناك في انتظاري”.
في يوم الجمعة، ذهب سيري عمار بهلوان إلى الدِّيوان الملَكيِّ للقيام بدوره في الحراسة، وبُعيْد الدَّقِّ على الطَّبلة لصلاة الفجر، فتح النَّاسُ بوَّابة الدَّارة؛ لأخذ راجا بيما. وكان راجا بيما في انتظاره على فيل. توجَّه نحو الدَّارة الملكيَّة يتبَعُه سيري عمار بهلوان، وحين وصل إلى الدِّيوان الملَكي، نزل مِنْ عَلى الفيل، وتوغَّل داخل الدِّيوان. كان السُّلطانُ بهدورْ قد استيقظ من نومه، وكان واقفًا عند باب الدِّيوان وهو يستعدُّ للخروج للنُّزهة والتَّسْلية، وحين رآه راجا بيما، اقترب منه، وسلَّ خنجَرَهُ، وطَعنه به في صدره، وفي الحال، سقط السُّلطانُ بهدور، ومات. خرج راجا بيما من الدِّيوان بعد موت أخيه، وركب فيله، وتوجَّه نحو داره. كان يتبَعُه سيري عمار بهلوان.
حين وصل راجا بيما قُبالةَ الإيوان حيث طبلة المسجد، طعَنه سيري عمار بهلوانْ في بطنه برُمحه، ونفذ الرُّمحُ حتى إلى عظم الكَتِف فخرَّ راجا بيما صريعًا من على الفيل ومات.
ومنذ ذلك الحين، وقع النَّاسُ في فوضى، وقيل إنَّ راجا بيما أراد أن يغصِبَ الملك أخاهُ السُّلطان بهدور، ولكن سيري عمار بهلوان قتَلَه.
حينئذ، تجمَّع الوزراءُ والقوَّاد في الدِّيوان الملكيِّ للتَّشاوُر في اختيار خَلَف من أبناء المرحوم بُونْغسو ، وبالطَّبع، لم يكن يوجد أحدٌ من أبناء المرحوم بونْغسو الذُّكور. وهكذا تمَّ اختيارُ ابنته الوحيدة راجا إجاوْ، فكانت الملكةَ الأولى هنا في سلطنة فطاني. وبعد ذلك دُفنت جثمانُ السُّلطان بهدور وراجا بيما عند المحلَّة العلميَّة في الجهَّة الشَّرقيَّة من البلدة، حيث دُفن القتلى الأربعةُ من الأسرة الملَكيَّة. وخلال حكم راجا إجاوْ، أُطلق عليها لقب براخاوْ. كما لُقِّبت راجا عائشة من قبلُ. ومُنح وانْ جهَر الله لقب حاجب القصر الأصغر، ومُنح ألُونْغ إنْ منصب كبير حُجَّاب القصر، وسيري أغارْ ديراجا لقب سيري راجا كيلانغ.

الفصل الثَّاني عشر: الملكة راجا إجاوْ وَبَنْدَهَارا سايْ
بعد أن حكمت الملكةُ لعدَّة أشهُر، استأذنها الوزير الأوَّل للسَّفر إلى سايْ خلف البحر، واعدًا بالمجيء خلال ثلاثة أيَّام. لكن سفره داخل المملكة طال سبعة أيَّام. بل لم يأت الوزير الأوَّل، ولو بعد مضيِّ عشرة أيام، وحينها ظهرت مشكلةٌ: ذكر بعض النَّاس لجلالة الملكة بكلِّ تواضع قولهم: إن الوزير الأوَّل منشغلٌ بجمع الوزراء كلِّهم، والقوَّاد وبعض الخدَم؛ لأنَّه ينوي خيانةً ضدَّ جلالتكم، وأنَّ هناك أربعين شخصًا شربوا مياهًا سحريَّة فوق مرتفعات سايْ، فغدَوا محصَّنين (لا يُؤثِّر فيهم سلاح)”. تبسَّمت الملكة حين سمعت كلام النَّاس، ولم تقل شيئًا. وسرعان ما انتشر هذا الخبر في كلِّ مكان.
بعد عدَّة أيَّام، عاد الوزير الأوَّل مع قرابة خمسة آلاف من أتباعه، فذكر الناس للملكة مجيء الوزير الأوَّل في تابِيهْ؛ طأطأت الملكة رأسها ولم تَفُه ببنت شفة. وبعد يومين، جاء النَّاسُ وذكروا لها بكلِّ احترام أنَّ الوزير الأوَّل قد بلغ تاكِيهْ، ولم يكن أحدٌ في ذلك الوقت من الوزراء والموظَّفين قد دخل القصر؛ ليبلغ جلالتها بما يقوم به الوزير الأوَّل. حين سمعت الملكةُ هذا الخبر من النَّاس، أمرت الضَّابط الحاجب أن يبعثَ رسولاً إلى كيلانغ؛ فأرسل إليه شخصًا من خدَم الملكة، فذهب الخادم، وبكلِّ تواضع، أبلغ كيلانغ أمر الملكة، فقال كيلانغ: “رجاءًا، أبلغ جلالة الملكة بكلِّ احترام أنَّني بكل تواضع أرجو معذرتها ألفَ مرَّة؛ لأنَّني مصابٌ بحمًّى، ولا يمكنني الآن المثول أمام جلالتها”. عاد الخادمُ وأبلغ الضَّابطَ الحاجب كلام كيلانغ، فذهب لتوِّه، وأبلغ جلالة الملكة بذلك، وحين سمعت الملكة ذلك قالت: “دع جميع الوزراء والموظّفين يأتوني، وإن كان كيلانغ نفسُه، مقرِّبَ الملك المتوفَّى، لا يرغب في المجيء حين أدعُوه”.
بعد زمن، أخبرها الخدَم أيضًا أن الوزير الأوَّل قد شارف كيدي، ولم يكن أحدٌ من الوزراء والموظَّفين قد جاء إلى الدِّيوان الملكي. لم يكن هناك سوى الحاجبين الاثنين، والمَاهات، والوُصفاء مع خدَم الملكة الخاصَّة. وبلغ الملكة بعد ذلك أنَّ الوزير الأوَّل قد عبر رصيف البحر. كان الوزير الأوَّل قد توقَّف قليلاً حين سمع صوت الطَّبلة التي كانت تُدقُّ لصلاة الجمعة، وبعد توقُّف صوت الطَّبلة، دخل القصر، وبسرعة ارتدت الملكةُ سُتْرةً خضراء، ووضعت خمارًا أصفر بأطراف مُزَرْكشة بنُقوش ورديَّة، مخروزَة بالذَّهب، ثمَّ تقدَّمت نحو الدِّيوان. كان الضَّابطان الحاجبان يتقدَّمانها، وبأيديهما السُّيوف، تتبعُها خادماتُها والماهات وخدمها الخصوصيُّون، وحين بلغت الملكةُ درَج الدِّيوان، وقفت عند أعلاه، وتقدَّم الضَّابطان الحاجبان ووقفا عند الدَّرج الأخير الأسفل، وقد سلا سيفاهما، كلٌّ منهما على طرف من الدَّرج، ونزلت الماهات والخادماتُ والخدمُ الخصوصيُّون إلى وسط الدِّيوان، وافترشوا الأرض في مؤخِّرة الدِّيوان. وكان الوزيرُ الأوَّل قد دخل في ذلك الوقت الدَّارة الملكيَّة، وهو متَّجهٌ نحو الدِّيوان، وحين بلغ واجهة الدَّرج، أمسكت الملكة بخمارها، وألقت به نحو الوزير؛ فتَلقَّفه بسرعة، وربطه على رأسه، وبعد أن عصب رأسه بالخمار، نزع خنجره من جنبه، ووضعه على الأرض، وحيَّى الملكة تحيَّة إجلال ثلاث مرَّات متوالية: “سلامًا يا مولاتي الملكة، لتعظمَ بركات جلالتكم وخيراتُكم أبدًا على هذا العرش الملكيِّ النَّبيل”. انحنى مرَّة أخرى، وعاد إلى تاكيهْ حيث توقَّف، وغادرت الملكةُ أيضًا إلى القصر.
وباللَّيل، اجتمع الوزراءُ والقوَّاد في سايْ كلُّهم، والخوف يتملَّكهم. قصدُوا منْزل الوزير الأوَّل، وقالوا له باحترام: “كيف قام سيِّدنا بمثل هذا الفعل؟ إنَّنا جميعًا هالكون عن بكرة أبينا! وحتَّى الأجنَّةُ في بطون أمَّهاتهم، فإنَّهم لن ينجوا من بطش هؤلاء”. ضحك الوزير الأوَّل حين سمع كلامهم، وقال: “لا تحملوا همًّا أبدًا، فمن عادة الملوك ألاَّ يعودوا في أقوالهم”. أجابوه قائلين: “ولكنَّنا لم نرَ الضَّابط الحاجب يبلغ أيَّ أمر من جلالتها لسيِّدنا طيلة حضورنا بالقصر!”. قال رئيس الوزراء: “ولكن الملكة استعطفَتني للإبقاء على حياتها”. قالوا باحترام: “ومتى كان ذلك؟” تقهْقَه الوزير الأوَّل بمرَح متندِّرًا من خوف هؤلاء الوزراء والقوَّاد. نزع العمامة عن رأسه، وقال: “هذه أمَّارة استعطاف الملكة إيَّاي للإبقاء على حياتها. أتفهمون؟” حين سمع الوزراء والقوَّاد ذلك زال خوفُهم.
في صباح اليوم التَّالي، ذهب رئيسُ الوزراء إلى سايْ خلف النَّهر، ولم يعُد بعد ذلك أبدًا، ولم تُخلَع الملكة عن عرشها أبدًا. وأطلق النَّاس على رئيس الوزراء ذاك لقب بندهارا كايو كِيلاتْ.

الفصل الثَّالث عشر: مقتل سيري عمار بهلوان على يد عبد الجبَّار
كانت الملكةُ قد علمت بكلِّ ما جرى من أمر راجا بيما، ومقتله على يد سيري عمار بهلوان. وذات يوم، حين كانت الملكةُ جالسةً في الدِّيوان مُحاطَةً بخادماتها، أمَرَت الضَّابط الحاجب بإرسال من يدعو الواعظ عبد الجبَّار. وحين جاء وحيَّى الملك، قالت له: “لقد بعثنا إليك؛ لنطلبَ منك أمرًا”. أجاب الواعظ باحترام: “يا دولةَ مولاتي الملكة! إنَّما أنا خادمٌ متواضعٌ تحت أقدام جلالتكم. إنَّ كلَّ ما أملكُ مِلكُ جلالتكم”، وحينها غادرت الملكةُ ودخلت قصرها؛ فاستأذن الواعظُ للعودة.
بعد ثلاثة أيَّام، دُعي الواعظُ مرَّة ثانيةً، وحين أتى أعادت عليه الملكةُ كلامها الأوَّل؛ فأجاب الواعظ باحترام قائلاً: “إنَّني خادمٌ متواضعٌ تحت أقدام جلالتكم، وأنَّى لي أن أخالف أمرًا تتفضَّلُ جلالتكم بإصداره لي”. تولَّت الملكةُ دون أن تقول شيئًا، ودخلت قصرها. استأذن الواعظ للعودة.
بعد خمسة أيَّام، دُعي الواعظُ مرَّة أخرى، وفي تلك المرَّة لم يكن أناسٌ كثيرون بالدِّيوان، كانوا ستَّة أو سبعة فحسب، وحين حيَّى الواعظ الملكة تحيَّة إجلال، خاطبتهُ بمثل خطابها السَّابق، فردَّ الواعظُ باحترام: ” يا دولةَ مولاتي الملكة! إنَّني أرجو عفْوَكم ألف مرَّة. إنَّني عبدٌ ذليلٌ، أحمل فوق رأسي الطَّعام الذي تجود به جلالتكم عليَّ، أنا تحت أقدامكم صباحًا ومساءًا (أعيشُ بما تجود به عليَّ جلالتكم). لتسألني مولاتي دمي ولحمي، فإنَّني أبذلهما بكلِّ كرامة لجلالتكم”. ردَّت الملكة قائلة: “هذا تمامًا ما كنَّا نرجو سماعه”. حينها انحنى الواعظُ، وجثا يحثو التُّراب على رأسه: “إنَّني أعرض روحي تحت أقدام جلالتكم بكلِّ تواضُع”. قالت الملكةُ: “إذا كان ما تقوله حقًّا، فإنَّنا نرجو منك الفَتْك بعمَّار بهلوان هنا في هذا الدِّيوان، ولكن ألاَّ يعلم أحدٌ بأنَّ ذلك أمرٌ منَّا”. قال الواعظ بتواضع: ” يا دولةَ مولاتي الملكة! مهما كانت أوامرُكمْ، فأنا مُطيع”. حينها عادت الملكة ودخلت القصر؛ فاستأذن الواعظُ في العودة.
بعد ذلك، في يوم الجمعة حين كان الرِّجالُ النُّبلاء يحرسون، وعددُهم ستَّة أو سبعة، وهم جالسون في الدِّيوان، وبينهم سيري عمار بهلوان. أتى الواعظُ عبد الجبار ماشيًا بمحاذاة الجدار، وهو يتصرَّفُ كأنَّه جاهلٌ بالتَّصرُّف اللاَّئق بالحضرة الملكيَّة. التفت إليه جميع الحاضرين، وحين بلغ مجلس سيري عمار بهلوان، سحب الواعظُ خنجره الذي كان يخفيه تحت ثيابه، وطعن به سيري عمار بهلوان في بطنه حتى خرجت أمعاؤه؛ فخرَّ سيري عمار بهلوان على الأرض ميْتًا. وقف الواعظُ وسط الدِّيوان وهو ممسكٌ بخنجره، وفي ذلك الحين، غمَزَ إليه راجا ميغاتْ الذي كان بالقُرب من سيري عمار بهلوان بالخروج، ولكن الواعظَ ظلَّ واجمًا في محلِّه؛ فسَحَب راجا ميغاتْ خنجرَهُ وطعَنَ به الواعظ، وجرحَهُ جُرحًا مبرَّحًا في بطنه؛ فخرَّ ميتًا. حدثت ضجَّة كبيرة في الدِّيوان، فجاءت الملكةُ قائلة: “من الذي طعنهُ الواعظُ؟” ردَّ الناس: “إنَّه سيري عمار بهلوان، يا مولاتنا. إنَّه مقتولٌ، لكن راجا ميغاتْ قتل الواعظ أيضًا”. قالت الملكةُ: “اسحبُوا جثَّة الواعظ بعيدًا عند البوَّابة الكبرى”. جرَّ النَّاسُ جثَّة الواعظ عبر السُّوق، وحين حاذوا المسجد، وكان المؤذِّنُ ينادي النِّداء الثَّاني لصلاة الجمعة، جنب المنبر؛ تصلَّبت جثَّة الواعظ، ولم يقدر النَّاسُ على جرِّها، وبقوَّة جرَّها الناس من الحبال المشدودة بعنقها حتى انقطعت؛ فوضعوا عليها حبالاً جديدةً، وفي تلك الآونة كان المؤذِّنُ قد انتهى من الأذان، وحينها فحسب تحرَّكت الجثَّة حين جرَّها الناسُ، فجرُّوها ورموا بها خارج البوَّابة الكبرى. بعد عدَّة أيَّام، دفنت الجثَّة سرًّا بإيعازٍ من الملكة.

الفصل الرَّابع عشر: حفر قناة سونغايْ تامباغانْ، وموت راجا إجاوْ
بعد فترة من حكم الملكة، وبينما هي مع وزرائها يومًا، ناقشت معهم البحث عن وسيلة لتحْلية مياه بحر كيدي. قال لها الوزراء: “يا جلالة الملكة، إذا أردنا تحلية تلك المياه، فيلزَمُنا حفرُ قناة من تامباغان إلى هنا، فإذا تدفَّقت المياهُ من البحر فإنَّ مياه هذه القناة ستكون إذنْ عذبةً”. قالت الملكة: “إذنْ، أرجو أن يذهب سيري مهراجا وانغْ والوزير الأوَّل بادوكا سيري راما وراء النَّهر لتحديد الموقع الصَّحيح لبداية حفر القناة. نادُوا في النَّاس، واْمُروهم بالبدء في الحفر في الغد أو بعده”. وهكذا بدأ حفر القناة، وحين شارف النَّاسُ راياوْ، أمر داتوءْ وانغْ وداتوءْ تيمنْغون الضَّابط الحاجب بالذِّهاب إلى الملكة، وإخبارها ببلوغ القناة تامباغان في اليوم التَّالي، وحين سمعت الملكة الخبر من الحاجب قالت: “اذهبْ وأبلغْ الوزير الأوَّل بأنَّني سآتي بنفسي لشقِّ الحاجز الأخير من القناة”. دعا رئيس الوزراء جميع الوزراء والموظَّفين للحضور لهذا الحدَث. وحين تجمَّعوا، خرجت الملكة يتبعُها رئيس الوزراء، وجميع الوزراء والموظَّفين قاصدين تامبانغانْ. وفي الغد، كُسِّرالحاجز الأخير؛ فتدفَّقت المياه من البحر حتى إلى ما وراء كوالا آرو، ورجعت الملكةُ إلى القصر.
بعد ذلك بمدَّة، اعتلَّت الملكةُ؛ فماتَت، فأُمِر جميع الرِّجال في فطاني بحلق رؤوسِهم، وأُمِرت النِّساء بقصِّ شيء من ضفائرهنَّ، ولُقِّبت الملكة راجا إجاوْ بعد موتها بالمرحومة تامباغانْ. أما السُّلطان مظفَّر شاهْ، فقد لُقِّب بالمرحوم كي سيامْ؛ لموته بأرض السِّيام. ولُقِّب السُّلطان منظور شاه بالمرحوم بونْغسو؛ لكونه أصغر أولاد أبيه الملك.

الفصل الخامس عشر: تولِّي الملكة راجا بِيرو السُّلطة ووفاتُها
بعد موت المرحومة تامْباغانْ، تُوِّجت (أختُها) راجا بيرو ملكةً، وعُيِّن الضَّابط الحاجب الأصغرُ في منصب خُوْنْ، وعيِّن الضَّابط الأكبرُ وزير الدَّولة بادوكا تُوانْ. وبعد عامَين أو ثلاثة من حكم الملكة راجا بيرو، بدأت ضفافُ القناة المحفورة بالانهيار بسبب قوَّة تيَّار الماء السَّريع، وانصدَعت الضَّفَّة المقابلة لبوابة الفيل؛ فكلَّمت الملكة كبير الوزراء في ذلك، وأمرته بجلب الصُّخور من كوالا كورُوكْ على طوَّافات خشبيَّة إلى شاطئ البحر، ورصِّها عند كوالا تامباغانْ، حيث حُفر خندقٌ مائيٌّ مسبقًا، حتى لا تَنخُر المياه قواعد أسوار المدينة.
بعد حين، وصلت الأنباءُ بموت ملك بهانْغ؛ فأمرت الملكة أمير الشَّواطئ والوزراء والقُوَّاد بالاستعداد لإحضار أختها من بهانْغ، وحين تمَّ التَّجهُّز للسَّفر، دخل أمير الشَّواطئ على الملكة وأعلَمَها بذلك، واستأذَنَها في الإبحار، وحُمل الخطاب الملَكيُّ في مَوْكب رسميٍّ إلى السَّفينة؛ فأبحَرَ أمير الشَّواطئ مع جميع الوزراء الذين عُيِّنوا للسَّفر معه، ووصل بعد عدَّة أيَّام إلى بهانْغ، وسُلِّم الخطابُ مع الهدايا إلى القصر، وبعد قراءة الخطاب، تجهَّزت راجا أونْغو، ونزلت السَّفينةَ؛ فتبِعَها كلُّ مَن كان يحبُّها من أهالي بهانغ إلى فطاني. وهكذا، فإنَّ جميع الفطانيِّين المنتمين إلى بهانغ اليوم، هم أحفادُ أولئك الذين تَبِعوا راجا أونْغو إلى فطاني. وحين وصلت فطاني، احتفتْ بها أختُها، وصحِبَتْها إلى القصر.
بعد فترةٍ من الحُكم، اعتلَّت الملكةُ؛ فتوفِّيت، فتُوِّجت راجا أونْغو ملكةً خلفًا لأختها. ودُفنت الملكة، ولقَّبها النَّاس بعد ذلك بالمرحومة تِينْغا، ولا يُعرَف الكثيرُ عن معنى هذا الاسم. أمَّا راجا أونغو، فحين تُوِّجت ملكة، تَسمَّت بادوكا شاهْ عَلَمْ، ولم تَسمح بأن تُدعى براخَاوْ (ملكة باللُّغة السِّياميَّة).

الفصل السَّادس عشر: تولِّي راجا أونغو المُلك، ومداعبة ملك جوهور لراجا كونِنْغ
حين كانت المرحومة تينْغا ملكةً في فطاني، كان أوكْبَايَا دِيشَا قد خطب إليها الأميرة راجا كوننْغ، فزوَّجتْه إيَّاها، وكان عمرها آنذاك اثنتي عشرة سنة. وحين كانت بادوكا شاهْ علَمْ مَلِكَةً في فطاني، استأذنها أوكبايا ديشا في الذِّهاب إلى سيامْ. وبعد ثلاث سنوات من مغادرته فطاني، أتى الملك يانْغ دي بِرْتُوانْ بيسارْ ملك جوهور خاطبًا كوننْغ للزَّواج. وكان جلالته حين بلغ سايْ قد توقَّف هناك قائلا لوزرائه وقوَّاده: “ماذا عسانا نُهدي إلى جلالتها هديَّةً؟”؛ فأشار عليه كلُّ واحد منهم باحترام بما يرى، ولكن شيئًا من ذلك لم يرُق الملك. فأمر الملك سيري سِروجا وتُونْ أتْما بالذِّهاب معًا إلى جلالتها، وإبلاغها بقدوم الملك، ورغبته في زيارتها؛ فأبحرَ سيري سروجَا إلى فطاني.
بعد وصولهما إلى فطاني، اصطحَبَهُما كبيرُ الوزراء للسَّلام على الملكة. حين دخلوا القصر، وجدوا جميع الوزراء والموظَّفين والماهات والوُصَفاء قائمين في خدمة الملكة. قامت جلالتها وتقدَّمت نحو بوَّابة الدِّيوان؛ فانحنى لها سيري سروجا وتون أتْما، وحُملت أوراق الـ”بِتيلْ” إلى داخل القصر؛ فقال سيري سروجا باحترام: ” يا دولةَ مولاتي الملكة! إنَّ أخا جلالتكم الأصغر، يرجو إخبارَكم أنَّه قدم من جوهورْ للسَّلام على جلالتكم، وهذا عهدُه لكم: “إذا رغبتْ جلالتكم في التَّمشِّي ولو خُطوَةً، فإنَّ أخاكم يرجو أن يصطَحِبكم فيها، ويكون في خدمتكم”. تبسَّمت الملكةُ لدى سماعها كلمات سيري سروجا، وأجابت: “إذا كان ذلك عهدَ ابننا لنفسه، فكيف لنا نحن ألاَّ نَفِيَ بذلك؟”. قال سروجا باحترام: “لتَغفرَ جلالتُها لابنها. على كلٍّ، فحين كنَّا في البحر، حاولنا جُهدنا تعليمَه احترامَ جلالتكم، ولكنه لم يزل عاجزًا عن ذلك”. قالت الملكة: “إذا كان ابنُنا يجهل كيف يُجلُّنا، فكيف بالآخرين أن يجلُّونا؟”. تابعت قولها: “بلِّغ تحيَّاتنا إلى ابننا، ودَعْه يأتينا عاجلا”. حينئذٍ، استأذن سيري سروجا وتون أتما في العودة إلى السَّفينة، وحين وصلا إلى سايْ، وحيَّا ملك جوهور باحترام، أبلغاهُ كلَّ ما قالت ملكة فطاني. وأرسلت الملكةُ بدَوْرِها راجا ميغاتْ، وسيري مهراجالِيلاَ؛ لاستقبال ملك جوهور، وحمل أصناف الطَّعام إليه، وأرواق البتيلْ مع جَوْز أريكا، وحين وصل سيري مهراجالِيلا وراجا ميغات، صعدا السَّفينة الملكيَّة لخدمة الملك، وتقديم الأطعمة إليه، وإبلاغه رسالة الملكة.
بعد مغادرة سيري سروجا كانت ملكةُ فطاني قد قالت: “انظُروا إلى ملك جوهور، إنَّه يريد أن يأمرنا باستقباله؛ فزعم أنَّه يأخذ على نفسه عهدًا أن يرافقَنا”. ردَّ الوزراء قائلين: “يا مولاتنا الملكة! الأمر كما قالت جلالتُكم. يا لَأنانيَّة هؤلاء القوم من جوهور! فَمَهْما كانت البادرةُ طيِّبةً لديهم، فإنَّهم يفعلونها من أجل أنفُسهم”. عادت الملكةُ بعد ذلك إلى القصر؛ فتفرَّق الأمراءُ والوزراء كلٌّ إلى داره.
بعد ذلك، أبحر ملك جوهورْ، وحين وصل بيرَاواسْ، رفض أن تُدقَّ طبلتُه الملكيَّة. قال لمهراجاليلا: “تلك هديَّتُنا إلى أمِّنا”، وهكذا طوال مكثه بفطاني، لم تُدقَّ طبلتُه. بل رفض دقَّها حين طَلبت الملكةُ منه ذلك. تلك هي الرِّواية كما يرويها كبارُ السِّن.
ولدى وصول ملك جوهور إلى الرَّأس في خليج فطاني، دُعِيتْ السَّفينةُ الملكيَّة للدُّخول في خليج كُوالا رُو، وفي صباح اليوم التَّالي، خرج الملكُ للسَّلام على الملكة، وقد كانت أمَرت بأن يُحمل الملكُ على فيل، وركبتْ هي على فيلتها، وغادرت الدَّارة الملكيَّة، وحين قارَبت الدِّيوان حيث الطَّبلة الملكيَّة، وصل الملك، وحين رآها نزل على الفور من عَلى الفيل، ورافق مَوْكبَ الملكة إلى داخل الدِّيوان ماشيًا، وبعد مراسمِ الاستقبال، استأذنَ الملكُ الملكةَ في العودَة إلى سفينته، فلم تأذنْ له بذلك، وإنَّما أعدَّتْ له مَنْزلاً عند قاعدة المرفأ كيدي. وتجمَّع جميع جُنْده هناك.
بعد عدَّة أشهُر، زوَّجت ملكة فطاني راجا كونِنغ لِمَلك جوهور.

الفصل السَّابع عشر: غارة السِّياميِّين على فطاني
حين بلغ هذا الخبر مسامِع أوكْبَايَا دِيشَا؛ اغتاظَ غيْظًا شديدًا، وذهب إلى البراخْلانغ مُستَنجدًا به، ورجاه أن يستَعطفَ ملك السِّيامْ البراخاوْ للإغارة على فطاني. صحِبَهُ البراخلانغْ إلى قصر الملك للمُثُول أمامه، وإخباره برغبة أوكْبَايَا دِيشَا؛ فأعطى البراخاو أوامره للبراخلانغ بجمع الرِّجال والعِتاد، وأمر القُوَّاد والموظَّفين بالانضمام إلى أوكْبَايَا دِيشَا للحملة على فطاني. هذا، وتقول رواية إنَّ عدد السِّياميِّين كان مائة ألف مقاتل، وفي رواية أخرى أنَّهم كانوا ثمانين ألفا. وفي ذلك العصر، لم يكن السِّياميُّون يعرفون الملاحة، ومهما بعُدت بهم الشُّقَّة، فإنَّهم كانوا يسافرون عن طريق البرِّ.
بعد مسيرة عدَّة أيَّام، وصل أوكْبَايَا إلى كايو كيلاتْ، وبلغ هذا الخبرُ ملكةَ فطاني. وفي ذلك الوقت، لم يكن بناءُ أسوار البلدة في كيلامْبانْغ قد اكتَمل بعدُ. كان ينقُصُها حوالَي نصفُ سِينْ. فركب وزير الدَّولة سيري بادوكا تُوانْ فيلاً يقال له جارومْ بيراك واتَّجه إلى كيلامبانغ، وأمر باقتلاع جميع أبواب المنازل وحواجزها هناك، ورصِّها في فَجْوَة السُّور، فكانت عشر طبقات، ونظم عددًا كبيرًا من البنادق بطريقة حتَّى لم تكن بينها فَجْوَةٌ أكثر من ذراع، وحين أتى السِّياميُّون للهجوم من موضع الفجوة من الأسوار، وجاءت مجموعةٌ منهم تخوض الخندق المائيَّ ناحية كيلامبانْغ، حينها أطلق عليهم أهالي فطاني النِّيران، وقُتِل منهم عددٌ لا يُحصى، ولم يُفلحوا أبدًا في اختراق الفجوة، على الرُّغم من استِحثَاث قوَّادهم لهم؛ فانسَحَبُوا إلى السُّهول، وتجمَّعوا في دَرْب ماليمْ آجي.
أمَّا وزير الدَّولة سيري بادوكا تُوانْ، فقد عدا بفيله جاروم بيراكْ عبر ساحل كيرسيكْ باتِّجاه البحر، وهو يستحثُّه ويجعَلُه يَقْبَعُ (أي يُصوِّت)، وفَعَلَ مثل ذلك حين بلغ بُوما ناحية البحر. وهكذا تجاوَبتْ أصواتُ الفِيَلة على امتداد أسوار البلدة.
حينذاك، استعدَّت الملكة للخروج إلى البوَّابة الكبرى يتْبَعُها ملك جوهور مع جميع الوزراء والقوَّاد. وحين بلغوا البوَّابة الكبرى، قال الملكُ باحترام: “إذا سمَحتْ لي أمِّي، فإنَّني أرجو الخروج؛ لأنَّ أوكبايا ديشا ما جاء إلاَّ من أجلي، دعيني أركبُ فيلاً وأُنازِله”. أجابت الملكةُ: “انطلقْ يا ابني، فإنِّي قد وكَّلتُك إلى الله تعالى”. حينها انْفَتحت البوَّابةُ؛ فخرج ملكُ جوهور على فيلة، واستحثَّها وهَرْوَل بها، فهَرع جميع الوزراء والقوَّاد يتبعون مَلِكَهم، وحين عايَنَ وزراءُ فطاني وقوَّادُها ذلك؛ قالوا للملكة باحترام: “يا دولةَ مولاتنا الملكة! كيف سمحتْ جلالتُكم لابنكم بالخروج؟! لقد مات الكثيرُ من وزرائكم وقوَّادكم، وجُرح الكثيرون. ونحنُ في حرب خاسرة مع السِّياميِّين، فلو كان خروجه في وقت لا يُخشَى عليه فيه، لكان ذلك معقولاً. أما الآن، وقد سمَحت جلالتكم له بالخروج خلف الأسوار، وإذا وقع له شرٌّ، فماذا عسى تكنْ سُمعةُ جلالتكم في البلاد الأخرى؟ ونحنُ جميعًا سوف نغدو خدمًا تافهين”. حين سمعت الملكة ذلك، أصرَّت على الضَّابط الحاجب بأن يخرجَ في إثر الملك ويستعيدَه.
تقدَّم الضَّابط الحاجبُ إلى الملك، وأبلغَها أمر الملكة قائلا: “مولاي، إنَّ أمَّكم الملكة تدعوكُم للعودة الآن”، حينها عاد الملكُ إلى داخل المدينة، وحين دخلها، اصطَحَبته الملكةُ إلى الدِّيوان، ولم تسمحْ بعد ذلك لأيٍّ من جنود جوهور أو الوزراء أو القوَّاد بالذِّهاب خارج الأسوار وخوْض الحروب ضدَّ السِّياميِّين.
وبعون الله تعالى ونَصْره، لم يكن النَّصر حليفَ السِّياميِّين، بل بلغ بهم الجوع مَبلغَه. وفي هذا الظَّرف، انسحب قادةُ الحرب السِّياميُّون ورجعوا حين رأوا الجنودَ يتضوَّرون جوعًا، ولم يكنْ قد مضى على مُحاصَرة أوكبايا ديشا لفطاني أكثرُ من سبعة أيَّام، وكان سببُ الجوع أنَّ كثيرًا من أهالي فطاني كانوا قد انخرطُوا بين السِّياميِّين، وأكلوا معهم أَرُزَّهم، دون أن يَفْطُن السِّياميُّون إلى ذلك، ولم يكن السِّياميُّون آنذاك يحملون معهم مُؤَنًا كثيرةً؛ لأنَّهم لم يكونوا يُبحرون في أسفارهم. ففي أيَّام أبْرا شَايا فحَسب، علَّمهم جدُّ الحاجب تُوءْ فقيه وراجا آيو وألُونْغ بْرِيشَا المِلاحة بالسُّفن. وقد غدت تلك العَداواتُ من التَّاريخ القديم، وكان أوكبايا ديشا أوَّلَ من أتى بالسِّياميِّين إلى فطاني في الحروب السِّياميَّة. وحينها، خربت جميع البيوت المقابلة للبوَّابة الكبرى حتى إلى قرية غوجْراتِيسْ وقرية الجاوَة، وامتدَّ الخرابُ حتى الضَّفَّة المقابلة لنهر بانْدانْ. كانت الجُثَث منتشرةً في الميدان، ثم حُملت إلى الجهَّة الأخرى من النَّهر؛ لتُدفن هناك. وهرب أناسٌ كثيرون ممَّن كانوا يسكنون خارج الأسوار، إلى البراري وراء النَّهر، واستقرُّوا هناك، خاصَّة أهالي باَ باكالْ، وهم الذين يرفعون أنسابَهم إلى أولئك الهاربين من خارج الأسوار. وفي القديم، كانت الهرَّة تسير على سُقوف المنازل من بايُونْغ هوجونْغ وحتى كوالا آرو، دون أن تضطَرَّ للنُّزول إلى الأرض. هكذا روَّى كبارُ السِّن.

الفصل الثَّامن عشر: موت راجا أونغو، وتتويج راجا كوننغ ملكة
استأذن ملك جوهور في العودة إلى جوهور، وبقيتْ زوجتُه راجا كوننغ مع أمِّها بفطاني. وبعد أنْ حكمت الملكةُ مدَّةً من الزَّمن، أتاها أجلُها المحتوم؛ فتُوِّجت راجا كوننغ ملكة، وَدُفنت الملكة، وأَطلَق عليها النَّاسُ فيما بعدُ، لقب المرحومة بَهانْغ؛ لأنَّها كانت زوجة ملك بهانغ.
أما راجا كوننغ، فإنَّها حين غدتْ ملكةً، دُعيت أيضًا “براخاوْ”، وهي الملكة التي لم تعِشْ من عائدات المملكة، وإنَّما على ما كانت تدرُّ عليها بساتينُها. كانت تأكلُ وتلبس من عائدات الزُّهور والخضروات، وكان لها تاجرٌ خصوصيٌّ يقال له ناخودا ساندانغْ، وكان النَّاسُ ينادونه بتاجرالملكة. كانت تلك الملكةُ في غاية الثَّراء؛ لأنَّ ممتلكات المرحوم كي سيامْ، والمرحوم يونْغسو تجمَّعت من جيل لآخر، بين يدي هذه الملكة. وبعد اعتلائها العرش لمدَّة خمسة أيَّام فحسب، أمرتْ خدَمَها بإخراج جواهرها؛ فنُشِرتْ أمام الدِّيوان، واستغرقَ إخراجُ جميع تلك الجَواهر ثلاثةَ أيَّام، وحين انتهى إخراجُها، أرسلَتْ الملكةُ إلى الوزير الأوَّل ساكورْ؛ فأتى مع جميع الوزراء، ودخل القصر للمثول أمام الملكة، فكلَّمتهم جميعاً قائلة: “هاكمْ ممتلكاتي الخصوصيَّة. وها إنِّي أُلحقُها جميعًا بالخزانة الملكيَّة، وهي حقٌّ لكلِّ مَنْ يصبح ملكاً في فطاني”، انحنى لها جميع الوزراء وقالوا: “حيِّيتُم يا دولةَ مولاتنا الملكة!”.
هذا، وحين تزوَّج ملك جوهور راجا كوننغ، كانت أمُّها المرحومة بهانغ، ملكةَ فطاني، وفي زمانها أغار أوكبايا ديشا على فطاني، وبعد رجوع أوكبايا ديشا إلى سيامْ، كان ملك جوهور قد استأذن المرحومة بهانْغ في العودة إلى جوهور. وبعد ذلك بعام ونصف، بعد موت المرحومة بهانغ، أتى ملك جوهور بأمِّه وأخيه الأصغر الأمير يانْغ دي بيرتُوانْ مودا إلى فطاني؛ لتحيَّة العزاء في وفاة المرحومة بهانْغ. عاد بعد ذلك بثلاثة أشهُر إلى جوهور تاركًا أُمَّه وأخاه مع الملكة، مخافةَ أنْ يُعيد أوكبايا ديشا الكَرَّةَ على فطاني، ويغير عليها.

الفصل التَّاسع عشر: عشق أمير جوهور
حين كانت المرحومةُ بهانغ ملكةً، كانت لها فرقةٌ غنائيَّة أوبرا مكوَّنة من أربعة رجال. كان أوَّلهم يُدعى تونْ إيماسْ، والثاني تونْ بيراكْ، والثَّالث تونْ ماسْ دينْ، والرَّابع الأخير تونْ مادو ساري. أمَّا المغنِّيات فهنّ: دانغ ساجا، ودانغ مريم، ودانغ بيدا، ودانغْ سيراتْ، ودانغ بوسبا ساري، ودانغْ آليتْ، ودانغ شانديرا، ودانغ إينامْ، ودانغ سادا، ودانغ سورايْ، ودانغ سمارا، وأخيرا دانغ ألاس. كانت أولئك المغنِّيات الاثنَتَي عشرةَ ذوات ذخيرة وفيرة من الأنغام، وكانت أغانيهنَّ متنوِّعة. كان اسم إحدى الأغاني “سيري راما يخوضُ البحر للذِّهاب إلى لانْغابوري”، بينما كانت أغنيةٌ أخرى تسمَّى “الوزير الأوَّل بادوكا راجا من مالاقا (أيَّام الحروب ضدَّ البرتغال)” وأغنيةٌ أخرى “داتو بادوكا سيري مَهْراجا جوهور أيَّام غارته على جامْبي”. بالإضافة إلى ذلك، كانت لكلِّ مغنِّية صبغةٌ فريدة، وكنَّ جميعًا ذوات صوت جميل، غير أنَّ دانغْ سيراتْ كانت أعذبهنَّ صوتًا.
بعد مضيِّ شهرَين من رحيل ملك جوهور، “انتهك” أمير جوهور ملكة فطاني، وكان سبب تجرُّئه على هذا الفعل عِلمُه بأنَّ أخاه الأكبر عِنِّين، وكان الأمير كلَّما اختلى بالملكة يأمُر فرقةَ الأوبرا بالغناء، وبعد حوالي شهر اتَّخذ دانغ سيراتْ عشيقةً له. وكان السَّبب في اختيار دانغ سيراتْ مغنِّيةً في القصر صوتُها الذي لم يكن له مثيلٌ؛ إذْ لم يكن مظهَرُها جميلاً على الإطلاق. كانت قبيحةً وسوداء، ووجهُها عريضًا ومليئًا بخدوش متعرِّجة، وهي إلى ذلك بدينة. كانت قد تعلَّمت السِّحر من دانغ جيلاتْ التي كانت مملوكةً لوالدة ملك جوهور، وإحدى معالجات الأمير، ومن مهامِّها تحميم الأمير.
كان عشق الأمير لدانغ سيراتْ يزدادُ يومًا فيومًا؛ فأمَرَ ببناء منْزل لها خارج بوَّابة الحريم في الجهَّة الغربيَّة. واقتَنَتْ دانْغْ سيراتْ من النَّاس مزيدًا السِّحر بفضل ما كانت تملك من الذَّهب. عظُم عشق الأمير لدانغ سيرات، فلم يعُد يُضاجعُ ملكة فطاني، وطوال مُكث الأمير بفطاني، ظلَّ الآتْشنيُّون في غاية راحة البال؛ لأنَّهم كانوا رفاقَ الأمير اليوميِّ في صراع الدِّيكة، وكان يولي اهتمامًا بكلِّ ما يقولون له. ويُذكَرُ أنَّ في في ذلك الوقت أيضًا، أمر الأمير بصُنع فَلقَة من الخشَب؛ لتُسْتَخدَم في معاقبة نبلاء فطاني.
وذات يوم، قالت دانغ سيراتْ للأمير: “إذا كان مولاي يحبُّني حقًّا، فعلى مولاي أن يصنع لي وِشاحَيْن اثنَين، يزنُ كلٌّ منهما خمسين تاهيلْ حتى ألبس أحدهما في الأمام، والأخرى في الخلف، وأطلب منه أيضًا دِرعًا ذهبيَّا”، حينئذ أمَرَ الأمير صائغًا بصُنع الوشاحين والدِّرع. حسبَما طلبت دانغ، وبعد الانتهاء من صنعها، أعطيت لدانغ سيراتْ، فلبِستها.
وذات ليلة، تظاهرَتْ دانغ سيرات بالغضب، ورفضت مضاجعة الأمير، وظلَّت مُتَمنِّعةً عليه رغم ملاطفة الأمير لها، قالت: “إذا كان مولاي يحبُّني حقًّا، فعليه أن يأمر بدقِّ الطَّبلة الملكيَّة لي، وأنا راضية لو أنَّ مولاي فعل ذلك لي يومًا واحدًا، ومتُّ من غَدِه”. حينئذٍ، عاهدها الأمير بذلك عهدًا قاطعًا؛ فرَضِيَت بمضاجعته. وأصدر أمره بأن تُدعى دانْغ سيرات بلقب أنْشيءْ بُوانْ، ومَنع مناداتها باسمها دانغ سيراتْ، وأَوْعَد بشَقِّ فَم كلِّ من ناداها باسمها المجرَّد دانغ سيراتْ.
وذات يوم، رغِبَت دانغ سيراتْ في الذِّهاب إلى الحديقة للاستحمام؛ قالت: “إذا كان مولاي يحبُّني حقًّا، فعلى مولاي إذنْ أن يحملَني إلى الأسفل؛ لنستَحمَّ معًا”. تبسَّم الأميرُ وحمل دانغ سيراتْ ليستَحمَّ معها. كذا كان حبُّ الأمير لدانغ سيرات.
وذات يومٍ، قال الآتْشنيُّون للأمير باحترام: “مولانا، لقد سمعنا أنَّه في عهد سيري بادوكا، كانت جميع زوجات الوزراء والقوَّاد يأتين القصر بالتَّناوُب للحراسة، وذلك عندما يكون أزواجهنَّ في الحراسة بالدِّيوان، ومِنَ الأحسن أن يأمر مولانا بمثل هذا التَّناوُب”. قَبِل الأمير هذا الاقتراح؛ فانتشر الخبرُ بأنَّ الأمير قد أمر جميع نساء الوزراء والقوَّاد وبناتِهم بالحراسة بالتَّناوُب، فشقَّ ذلك على الوزراء والقُوَّاد؛ فاجتمعوا وذهبُوا إلى الملكَة، وامتثلوا أمامَها بأسى عميق. وكانت الملكةُ قد غادرت القصر للسُّكنى بالحديقة منذ أن أُغرم الأميرُ بدانغْ سيراتْ. كانت تسكُن بالمقصُورة المسَمَّاة رانْغكايْ راكْسي. دخلُوا على الملكة قائلين لها باحترام: “إذا دعا أخو جلالتكم كلَّ هؤلاء الخدَم للحراسة بالقصر، فسَيَبْدُو ذلك عصيانًا منهم لجلالتكم”. قالت الملكة: “إذنْ، ينبغي عليكم جميعًا أن تصنَعُوا ما بدا لكم، ولكن أرجوكم ألاَّ تقتلوا الأميرَ الشَّاب؛ لأنَّنا نأسى كثيرًا لأمِّه، ويمكنكُم بعد ذلك أن تفعلوا ما تشاؤون”.
وذات مرَّة، تحدَّث الأمير مع الأمراء والموظَّفين من آتشي وجوهور عن رغبته في تعيين دانغْ سيرات واليَةً، فقالوا له باحترام: “أين يريد جلالتُكم تَوْليَة أنْشيءْ بُوان؟” قال: “نُريد توليتها على كيدي رغم أنَّنا كُنَّا نودُّ توليتَها هنا في دارها، لكن ذلك قريبٌ جدًّا من القصر، وسيبدُو صوتُ طبلة جوهور نشازًا مع صوت طبلة فطاني”. أجاب الوزراء باحترام: “في رأينا أنَّ مولانا إذا ولَّى أنْشيء بُوانْ في كيدي، فإنَّ طبلة الملكة سوف تختلطُ بطبلة انشيء بُوان، وسيشِينُ ذلك سُمعةَ مولانا في البلاد الأخرى”. قال الأميرُ: “فأين يمكنُنا إذنْ دقُّ الطَّبلة لأنشيءْ بُوان؟” قالوا باحترام: “في رأينا أن تامْبانغانْ أفضلُ مكان، وإذا رغب جلالتُكُم في بناء مستوطنةٍ هناك، فذلك ممكنٌ؛ لأنَّ كثيرًا من الناس يقيمون في تلك البِقاع. ودَعُونا ننقُل إلى هنالك وراء النَّهر، جميع الوزراء والقُوَّاد الفطانيِّين المؤهَّلين لذلك؛ مع عيالهم، للعيش مع أنشيءْ بُوان”. قبِل الأمير رأي الآتشنِيِّين ذاك.
انتشرَ في أرجاء فطاني خبرُ عزم الأمير على تَوْليَة دانغ سيراتْ على تامْبانغانْ، فاجتمع وُجَهاءُ فطاني ودخلوا على الملكة قائلين باحترام: “نرجو عفْوَك يا مولاتَنا، لقد سمعنا أن الأميرَ ينْوي الذِّهابَ خلف النَّهر إلى تامبانغانْ؛ لتولية دانغْ سيراتْ مَلكةً هناك، ولكنَّنا لن نرضى لأهالي جوهور أن يدخُلُوا فطاني بعد أن يغادروها مع الأمير”. قالت الملكةُ: “افْعَلوا ما تَرَوْنَهُ صوَاباً، ولكنَّنا نسألُكُم عدمَ المِسَاس بحياة الأمير الشَّاب؛ لأنَّنا نشعُر بأسًى كبير لأمِّه”. قال جميع الوزراء باحترام: “إنَّنا جميعًا خدم، فأنَّى لنا أن نعصي أمرًا لمولاتنا؟”.
بعد مدَّة، أمرَ أميرُ جوهور بدعوة الوزراء والقُوَّاد الفطانيِّين الذين كان يريد إرسالَهُم إلى تامبانغانْ، فذهب جميع أولئك الوزراء إلى داتوءْ بَندهارا سكور واستشاروه، فلم يَرْضَ لَهُم بالذِّهاب، وإنَّما سمَح لسيري تونْ فحسب بالذِّهاب، بالإضافة إلى حوالي عشرة أشخاصٍ ممَّن رافقوا الأمير حين خرج بدانغ سيراتْ إلى تامبانغانْ. وصل الأمير إلى هناك بعد الظُّهر؛ فنَزَل مِنْ عَلى فيله، وأمسَكَ بيد دانغ سيراتْ وقَعَد معها تحت خيمة، وحوله وزراء جوهور وقوَّادُها مع بقيَّة قومه من جوهور. كان يناقش معهم كيفيَّة تولية دانغ سيراتْ بعد يومَين. كان سيري سيتيا ومهراجا سيتْيَا أيضًا موجُودَين، ولزم الباقُون أكواخَهُم. قال الأميرُ لسيري سيتيا: “لماذا لم يأتِ وزراءُ فطاني وقوَّادُها معنا إلى هنا؟” ردَّ سيري سيتا باحترام: “مولاي، سوف يأتون غدًا صباحًا؛ لأنَّهم كانوا جميعًا في شُغل في جمع الحرَس الذين سيحرُسون هذه البلدةَ الخالية”. قال الأمير: “فاذهبْ أنت، أيُّها السَّيد خلف النَّهر حتَّى نطمئنَّ على مجيئهم غدًا؛ لأنَّنا نريد تَوْلِيَة انشيءْ بُوان بعد غد”. استأذن سيري سيتيا إذنْ، ورجع إلى مَنْزله. وفي تلك اللَّيلة تسلَّل جميع الموظَّفين الفطانيِّين، وهربُوا إلى المدينة، وحينها أغلِقَتْ البوَّابةُ الكبرى، ورُصَّت البنادقُ فوق الأسوار.
في صباح اليوم التَّالي، أعلَمَ الآتْشنيُّون الأمير بتواضُع قائلين له إنَّه لم يبق أحدٌ من وُجَهاء المرافقين، وأنَّهم جيمعًا قد هربُوا بلَيل. ارتعدَت فَرائصُ الأميرُ، واغتاظَ غيْظًا شديدًا، وأمر بِوَضْع الهَوْدج على الفيلة، فركِبَها وجلس مقابل دانغ سيراتْ وقصد ناحية البحر يتْبَعُه جميع الآتْشنيِّين والجُهوريِّين. وحين بلغوا تانْجونغ، أمر الأمير الآتشنيِّين بالذِّهاب إلى بلدة فطاني واستطلاع أمرها، وحين وصل أولئك وجدوا المدينة مُقْفَلةً، وأنَّ بنادق كثيرةً قد وُضعتْ فوق الأسْوَار؛ فرَجَعُوا وأخبرُوا الأمير بذلك باحترام، وقصُّوا عليه ما سمعوا، فلمَّا سمع ذلك ركب الفيلة، واتَّجه نحو باسيرْ، وحين بلغ باسيرْ بانْدراجا، تعقَّبه كثيرٌ من أهالي فطاني، وقتَلُوا الأتشنيِّين على امتداد الطَّريق، وجرحوا الكثيرين منهم. وتابع الأميرُ سيره نحو الدَّاخل، وحين بلغ تابيهْ، نزل مِنْ عَلى الفيلة، وجلس عند شجرة جامْبو. ثمَّ قتل هو نفسُه دانغ سيراتْ، وأمر أهالي تلك البلدة بدفنها تحت قاعدة بوكيتْ (جبل) تابيهْ.
بعد ذلك، توجَّه الأمير نحو سايْ. وأمرت الملكةُ بعض النَّاس بمرافقة الأمير إلى سايْ، وبتجهيز سفينة له، لذلك حين بلغ سايْ وجد واليَها البندهارا قد أكرَم وفادَتَه، وجهَّز له قارِبَين، ومُؤنًا من الأرز؛ ليتَزوَّد بها في سفره، فأبْحَر عائدًا إلى جوهور، وظلَّت أمُّه بفطاني.

الفصل العشرون: مهمَّة راجاليلا في جوهور
بعد عدَّة أشهُر، شاوَرَت الملكةُ وزراءَها في إرسال أمِّ الأمير إلى موطنها جوهور، لكن أحدًا لم يُبادِرْ بذلك، فأمرت الملكةُ باستدعاء راجالِيلا في كاندانغْ كيرباوْ. وكان راجاليلا ذاك ملايُويًّا من مينانْغ كَباوْ، وكان عميدَ أسرةٍ كبيرة، وله أولادٌ وأحفادٌ مَرْمُوقون. حين أتى راجاليلا كلَّمَتها الملكةُ قائلة: “دَعَوناك يا راجاليلا؛ لأنَّنا نريد أن نبعثَك لاصطحاب والدة ذلك الأمير إلى موطنها”. أجاب راجاليلا: “إنَّني خادمٌ متواضعٌ تحت أقدام جلالتكم. إنَّني طوْع أمركم دَوْمًا”. أصدرت الملكة أوامرها لأمير الشَّواطئ بتجهيز خمس سُفن لراجاليلا مع طاقِمها، وكلِّ مَنْ يرغَبُ السَّفر مع راجاليلا، فاستأذَنَ راجاليلا للذِّهاب إلى داره والتَّجهُّز للسَّفر. اختار أربعين رجلاً من أذكياء أبنائه وأحفاده، وحين تجهَّز، عاد من خلف النَّهر، وامتثل أمام الملكة.
في يوم مناسب، وفي ساعة فَأل، ودَّع راجاليلا الملكة، وكانت الملكةُ قد أهدت إليه كماليَّة من الثَّوب، فَلَبِسَها وأتى الملكة في الدِّيوان للسَّلام عليها، قالت الملكةُ: “نَستَودِعُ الله تعالى راجاليلا”. ردَّد جميع الحاضرين في خدمة الملكة قائلين: “سلامًا يا دولةَ مولاتنا الملكة!”. فقال راجاليلا باحترام: “بمشيئة الله، ثمَّ (ببركة) نبيِّه، وبدعاء جلالتكم، فإنَّني عائدٌ لخدمة جلالتكم”. قالت الملكة: “كمْ من أبنائك وأحفادك تصطحبُ في هذا السَّفر؟” قال راجاليلا بتواضُع: “إنَّهم أربعونَ رجلاً، وهم يماثلونَني في كلِّ شيء (في الصَّلاح والفَساد)”. حينها أعطت الملكة لباسًا ملكيَّةً لكلِّ أولئك الأربعين رجلا. بعد ذلك رافقَ النَّاسُ والدةَ الأمير إلى السَّفينة بالمراسم الملكيَّة التَّقليديَّة، ولم تُهمِلْ الملكةُ شيئًا منها. استأذنَ راجاليلا مرَّة أخرى بالصُّعود إلى سفينته، وحين هبَّت ريحٌ طيِّبة، نشر شراعَه.
بعد عدَّة أيَّام، وصل راجاليلا إلى الميناء؛ فأطلق وابلاً من طَلْقات السَّلام؛ فجاءَهُ مُوظَّفو الميناء، وعايَنُوا السُّفن، فقال لهم أصحابُ السَّفينة: “إنَّنا جميعًا رُسُلٌ أتينا بوالدة الأمير”. أعْلَمَ العمَّال أميرَ الشَّواطئ بذلك؛ فذهب للتَّوِّ، وأخبرَ الأمير، فسُرَّ الأمير بذلك غاية السُّرور، وأمر وزراءه وقوَّاده بالذِّهاب لاستقبال أمِّه في صباح اليوم التَّالي.
في اليوم التَّالي، خرج وزراءُ جوهور وقُوَّادها، والرِّجال والنِّساءُ؛ لاستقبال والدة الأمير، وحُمِل الخطابُ الذي أتى به راجاليلا من فطاني إلى القَصْر في موكب رسميٍّ، وحين وصلَ الخطاب إلى الدِّيوان، ارتدى الإمامُ صلاحُ الدِّين جلبابَهُ الرَّسميَّ، وفتح الخطاب وقرأه بصوتٍ عال، ووقَفَ راجاليلا يستَمِعُ إليه، وبعد قراءة الخطاب، تقدَّم راجاليلا للسَّلام على الأمير، وقُدِّمت إلى راجاليلا أوراقُ نبات الـ”بيتيلْ”. سأله أمير الشَّواطئ:”كم يومًا مكَثْتُم في عُرْض البحر؟” أجاب راجاليلا: “مكثْنا فيه ثلاثة عشرَ يومًا”. قال أميرُ الشَّواطئ: “وما الأخبارُ مِنْ فطاني؟” أجاب راجاليلا: “خيرًا. إنَّ الخاصَّة بصحَّة وراحة بال، والعامَّة في رَغَدٍ من العيش”. استأذنَ رجاليلا بعد ذلك للذِّهاب إلى سفينته.
بعد مُكث راجاليلا يومَين بجوهور، بَحَثَ عن خادم في القصْر؛ ليتَّخذه صديقًا؛ فعُيِّن له أحدُهم، وكان يُدعى أنْشِيءْ بَياني. دعاهُ راجاليلا إلى سفينته، وقال له: “لقد دَعوْتُك لزيارة وُديَّة إلى سفينتي؛ لأنَّني غريبٌ هنا. فلو مرضتُ ههنا أو وقعتُ في ضائقَة، أو احتجتُ إلى شيء، فلنْ أجد مَن أفزَعُ إليه. بالإضافة إلى ذلك، فإنَّني لا أعرفُ عادات اللَّباقة الملايويَّة، فإذا أخطأتُ في أيِّ تصرُّف، فإنَّني أرجوك أن تُلقِّنَني التَّصرُّف المناسب”. ضحك أنشيءْ بَياني وقال: “إنَّ قَوْلَك بالتَّأكيد لَغريبٌ، فهل فطاني في الحقيقة مختلفةٌ عن جوهور؟ فإذا كان ما أرى منك هو فطاني، وهذه جوهور التي نعرفُها، فهاك جوهور في أثواب فطاني”. أجاب راجاليلا: “إنَّ ما قلتَهُ حقٌّ، فإنَّ جوهور وفطاني متشابهتان كثيرًا، ولكن لا تزال هناك بعضُ الاختلافات بينهما في العادات والقواعد”.
أهدى رجاليلا بعد ذلك إلى أنشيءْ بَياني قطعةً طويلة من القمَّاش المزركش ذي أطراف مخْروزَة بالذَّهب، وزوجًا من القوس بشريط ذهبيٍّ. قال أنشيءْ بياني: “إنَّك سَتلقى منِّي عَناءًا كثيرًا”. قال راجاليلا: “ذلك دليلٌ على صداقَتنا”. استأذنَ السَّيد بياني في الذِّهاب، وبعد ذلك توالت زياراتُه الوُدِّيَّة لراجاليلا في سفينَته.
ذات يوم، كان راجاليلا يستحمُّ وخَنجَرُه في يده اليُمنى، وكان إذا أراد أن يفْرُك جسَدَه بيده اليُمنى، أمسَك الخنجر بيده اليُسرى، وصادف أنْ أتى أنْشيءْ بياني في ذلك الوقت، فقال لصديقه: “أتحملُ خنجَرَك وأنت تستحمُّ؟”. أجاب راجاليلا: “ألا تعرفْني؟ ألا تعلمُ أنَّ أعداء قُوَّاد فطاني ليسُوا في البرِّ فحسب، ولكن في البحر أيضًا؟ أمِنَ اللاَّئق أن يموت قائدٌ وهو أعْزَل؟”. ضحك أنشيءْ بَياني حين سمع ذلك.
بعد عدَّة أيام، جاء أنشيءْ بياني إلى السَّفينة، وقال لراجاليلا: “غدًا، سوف يُرسِلُ الأميرُ طالبًا منك خَنجرك”، ردَّ راجاليلا: “إنَّني عاجزٌ عن مجازاتك على حبِّك لي يا صديقي، لكنَّ الله تعالى سوف يجازيك”. مكثَ أنشيءْ بياني عند صديقه لحظةً، ثم استأذنَهُ في العودة. على الفور، جمَع راجاليلا أبناءَهُ وأحفادَهُ؛ ليسْتشيرَهُم، قال: “غدًا، سوف يدعوني الأميرُ ويطلبُ منِّي خَنجري، فعليكمْ جميعًا أن تتقلَّدُوا خناجرَكُم الأخرى، وإذا صوَّبتُ فيكم عيوني، فحَمْلقُوا فيَ النَّظر، ولا ينشَغلنَّ أحدٌ منكم عن ذلك!”. قالوا: “وماذا ينبغي علينا فِعْلُه بعد ذلك؟” قال: “تصرَّفُوا كما أمرتُكُم”.
في صباح اليوم التَّالي، جاء الخدَمُ يدعون راجاليلا؛ فانطلقَ مع أبنائه وأحفاده الأربعين، وكلُّهم يُخفُون خناجرَهُم الثَّانية تحت ثيابهم، وحين وصل إلى الدِّيوان وجد الأمير حاضرًا وفي خدمته جميع وزرائه وقوَّاده، انحنى راجاليلا للأمير، وبعد أن جلس حينًا، قام الضَّابط الحاجب، وأبلغَ راجاليلا باحترام الرِّسالة الملَكيَّة قائلا: “يا راجاليلا إنَّ جلالته يرغبُ أن يرى خنجَرَك”. أجاب راجاليلا باحترام: “يا دولةَ مولاي الملك، إنَّ حياتي فداءٌ لكم، ولكنَّني أرجو أن أُعذَر في خنجري”. قال ذلك ولحظ خلفَه أبناءَهُ وأحفادَه؛ فبادَلُوه النَّظرة. كرَّر الحاجبُ كلامَهُ ثلاث مرَّات، لكنَّ ردَّ راجاليلا وتصرُّفه لم يتغيَّر. حينها قال الحاجب: “يا راجاليلا إنَّ الأمير يمنحُك خنجرًا جديدًا”. انحنى راجاليلا جاثيًا على رُكبتَيه، واضعًا قدَمي جلالته فوق رأسه. قال حين اعتدل قائمًا: “يا دولةَ مولايَ الملك! أقبلُ هديَّتَكم بتواضع”. قال له الأمير: “لقد بلَغَنا أنَّ كثيرًا من الوزراء والقُوَّاد الذين دُعوا للمجيء إلى جوهور لم يجرؤوا على ذلك، غير أنت يا راجاليلا”. أجاب راجاليلا باحترام: “مولاي، لم تُصدِر جلالتُها أوامرَها لأحد بالمجيء إلى هنا غيري، وإلاَّ لأتَوا إلى هنا بالتَّأكيد؛ لخدمة مولاي، فأنا إذَنْ وحدي الذي تلقَّى الأمر من صاحبة الجلالة”. قال الأمير: “وما شُعورك الآن بعد مجيئك إلى جوهور يا راجاليلا؟” أجاب راجاليلا باحترام: “يا دولةَ مولايَ الملك! حينما أكون في فطاني، فإنَّني خادمٌ تحت أقدام صاحبة الجلالة أختكم، وحين أكون بجوهور، فإنَّني أغدو خادمًا تحت أقدام جلالتكم، ولكنَّني لن أخدُمَ سَيِّدَين أبدًا”. بعد ذلك، أُكرِم راجاليلا بثيابٍ مَلَكيَّة؛ فلبِسَها وحيَّى الأمير. واستأذن للعودة إلى سفينته.
بعد عشرين يومًا، ذهب راجاليلا إلى الأمير؛ ليستأذنَهُ في العودة، وبعد يومَين من ذلك، حُمِل الخطاب المَلَكيُّ والهدايا في موكب حافل إلى السَّفينة، فحيَّى راجاليلا الأمير، ونزل سفينتَهُ، ونشَر شِراعَها. وحين وصل فطاني، حمل الخطاب والهدايا في الموكب الرَّسمي المعتاد، وحين وصلت تلك الأشياءُ إلى القصر، قُرئ الخطابُ على الحاضرين، وحيَّى راجاليلا الملكةَ. وبعد ثلاثة أيَّام، استأذنَ الملكةَ في العودة إلى داره في كاندانغ كيربارو.

الفصل الحادي والعشرون: تمرُّد راجا كالي
بعد فترةٍ من الزَّمن، شاور راجا كالي صاحبَه توءْ ميرْ مع جميع أبنائه وأحفاده في انضمامهم إليه للإغارة على القصر. كان توءْ ميرْ زعيمَهم. وفي اليوم الموعود، أتى راجا كالي القصر مُضْمرًا اغتصاب الملكة، لكنَّ الله تعالى لم يشأْ ذلك؛ لأنَّه حين دخل القصر، كانت جميع الخادمات، والموظفين، في القصر على علم بما يُضمِرُ، فالتفَّ الجميع، صغارًا وكبارًا، حول الملكة، ولم يقدر راجا كالي من الاقتراب منها.
بذلك، وقعت الدَّولة في اضطراب، وقيل إنَّ راجا كالي قد اقترفَ جريمة الخيانة واقتحم القصر؛ فاجتمع الوزراءُ والقُوَّاد كلُّهم، وساروا إلى داتوء بندهارا تيرينامْ؛ ليستَمعُوا إلى رأيه في هذا الأمر. تحدَّث داتوء وانغْ كاتاكي قائلا: “ما رأيُك إذ أنَّ راجا كالي قد استقرَّ في القصر. إنَّني أرى أن نذهب إلى الملكة أوَّلا، ولنسألها بأدب إن كانت ترضى ببقاء راجا كالي بالقصر، لكنَّ هذا السُّؤال ينبغي أن يُطرَحَ على الملكة بطريقة ماكرة؛ حتى لا يسمعه راجا كالي”. أجاب داتوءْ تيرينامْ: “رأيُك رأيٌ سديد”. هكذا بأدب طُرِح السُّؤال على الملكة؛ فأجابت قائلة: “إذا كان وزراؤُنا وقوَّادُنا يحبُّوننا، وفي قلوبهم عطفٌ بنا، فنرجو منهم مساعدَتَنا في الخروج من هذا القصر، مهما كان السَّبيلُ إلى ذلك. أما ذاك الرَّجلُ راجا كالي، فإنَّ الوزير الأوَّل، مع سائر الوزراء والقوَّاد، قادرٌ على تولِّي أمره بعد نُزوحنا عن هذا المكان”.
أما راجا كالي، فإنَّه –على الرُّغم من عجزه عن الاقتراب من الملكة- كان يرقُبُها، ويحاول مهاجمَتَها كلَّما حاولت مغادرة القصر. وحين رجع الرُّسُل بكلام الملكة إلى داتوء تيرينامْ، لم يدْرِ هو ولا الوزراء ماذا يفعلون. حينئذٍ، قال داتوء وانغ: “إذا كانت الأمور هكذا، دعُونا نبحثُ عن مخدِّرات نضعُها في طعام راجا كالي، حتى نقدرَ على إخراج الملكة”. وافقُوا جميعًا على هذا الرَّأي.
في ذلك الحين، كان راجا كالي يرفضُ مسَّ أيِّ طعام إلا ما أكلت منه الملكة، وبعد أنْ مكثَ راجا كالي بالقصر حوالي اثنيْ عشرَ يوما، أكلت الملكة بَهارًا يومًا، وفي حين غَفْلة راجا كالي دُسَّت المخدِّراتُ في بقيَّة الطَّعام، وحين تقدَّم راجا وأكلَ منه كعادته، غلبه النُّعاسُ؛ فنام بعُمق، فحُمِلت الملكةُ إلى دار داتوء تيرينامْ، وبعد ذلك قُبِض على راجا كالي وقُتل أمام البوَّابة الكبرى. وفجأةً، بدأت نباتُ السَّبانخ تَنبُتُ وتتكاثَرُ في الموضع الذي قُتِل فيه راجا كالي، ولأجل ذلك يُطلَقُ على السَّبانخ “راجا كالي”.
أمَّا سببُ عدم قتل توء ميرْ، فكان خوفُ النَّاس من إراقة دم أحدٍ من سُلالة رسول الله (^)؛ لأجل ذلك كان قَتلُه بأنْ أغرقُوهُ في البحر، إذ رَمَوْهُ من قمَّة جبل تانْجونغ. وانشغل داتوء تيرينامْ طيلةَ ثلاثة أيَّام ولياليها، بقتل جميع أبناء راجا كالي وأحفاده، وكلِّ من ساعدوه، فقتَلَهم جميعًا وبدَّدهم، رجالاً ونساءًا، كبارًا وصغارًا، وحتَّى الأجنَّة، فإنَّه بَقَر بطونَ أمَّهاتهم وأخرجَهم ليَقتُلَهم. وحينذاك، كان أحدُ أحفاد راجا كالي له من العمر ثلاثُ سنين، ويُدعى راجا هوجانْ، أخفاه راجا باكالْ بادانْ في مقبرة الغابة تحت جرَّة كبيرة، وكان يحملُ إليه الطَّعام كلَّ يوم. وهكذا كان من نَسل راجا هوجانْ، راجا كيتْشِلْ، ومن نسْله راجا أبو، وألُونْغ نامْ المعاصران لنا.
بعد ذلك، أَمرَت الملكةُ بهدم هذا القصر الذي احتلَّهُ راجا كالي، وأنْ تُرمى أنقاضُه في البحر، لكن داتوء خونْ استأذَنَها في استخدام تلك الأنقاض في بناء ديوان. وذلك الدِّيوانُ الذي أحرقَه السِّياميُّون حين أغارُوا على فطاني، وهرب جميع أهالي المدينة، وفرَّ باغينْدَا إلى ترادي. تلك القصَّةُ كما يَرْويها كبارُ السِّن.

الفصل الثَّاني والعشرون: نهاية سُلالة ملوك الدَّاخل
بعد أنْ حكمت الملكةُ حينًا من الدَّهر، اعتلَّت؛ فتُوفِّيَتْ، ودُفنتْ، ولُقبتْ تلك الملكة بـ”المرحومة بيسارْ”؛ لزواجها بملك جوهور: يانغْ دي بيرتُوانْ بيسار.
بعد وفاتها، اجتمعَ الوزراء للتَّشاوُر؛ لأنَّه لم يبق هناك أحدٌ من أحفاد الملوك الذين جاؤوا من الدَّاخل؛ إذ كانت المرحومةُ آخر أولئكَ الذين حكموا فطاني.
أمَّا ما يُطلِقُ عليه النَّاسُ “دَم أبيض”، فإنَّ أصل ذلك كان نانْغ مَهاتْشير، وكان لها ولدٌ يُدعى نانْغ لوتْ خاوْ، وكان أيضًا من الدَّم الأبيض. أمَّا الأميرة في فُومْ، فكان اسمُها الأميرة كابُو-وَاكُو، وكان اسمُها المدلَّل: نانْغ مهاتشيرْ، أمَّا الرَّجلُ الآتي من البامْبو الفسيح، فأطْلَقَ عليه بايا سي لينْ اسمَ بايا آنْ تيواءْ، وكان لقبُه المحبَّب إليه ألُونْغ بيتُونْغْ، وهو زوجُ نانْغ مهاتشيرْ. وانتهت مملكة الملوك الآتين من الدَّاخل بِتْشاوْ بايا سي لينْ. وحسب أقوال النَّاس، فإنَّ الملك تشاو بايا آنْ تيواء هبَط من السَّماء، وكان أحفادُه يحملون الرُّتبة الملَكيَّة. كما كانوا هم حكَّام مملكة فطاني ونُبلاءها. وكانت نهايةُ مملكة تْشاوْ بايا آنْ تيواءْ ذاك بالمرحومة بيسارْ تلك.

القسم الثَّاني
وهو عن حكم الملوك الكَالنْتانيِّين في فطاني، والنِّزاعات التي نَشبت بين الأمراء والوزراء، وتدخُّل المملكة السِّياميَّة في حسم الموقف لصالح بعض الفُرَقاء ضدَّ آخرين. وينتهي العهدُ الكالَنْتاني بألونْغ يونس الذي أعاد النِّظام والاستقرار إلى المملكة، ولكن ذلك لم يتجاوَزُ سنةً واحدة.

الفصل الثَّالث والعشرون: مملكةُ كالَنْتانْ بفطاني
كان هناك رجلٌ من سلالة ملك كالَنْتان، عاش في تيلوءْ، وكان يُدعى راجا باكالْ، تُوِّج مَلكا، وكان ذلك أصلَ أمراء كالَنْتان الذين حكمُوا هنا في فطاني. أطلِق على راجا باكالْ ذاك بعد موته لقبُ المرحوم تيلُوءْ. وبعده تُوِّج أميرٌ كالنتانيٌّ آخر يُدعى راجا إيماسْ كالَنتان. وبعد موته أطلق عليه لقبُ المرحوم كالنتان، وفي أيَّامه كانت سُفن زعماء كالنتان تأتي فتَتَوَغَّلُ حتى ترسو قريبًا من المرْفَأ في كيدي، ولم يكن يُسمَحُ لهم من قَبلُ بالدُّخول إلى هذا الموضع. كان موضع رُسُوِّ أهل كالَنتان في الشَّاطئ عند خليج تانْجونغ، منْزل توء آكوتْ حيث كانت ترسو جميعُ السُّفنُ من كالنتانْ واردةً إلى فطاني وصادرةً منها.
بعد موت المرحوم كالَنتان إذن، اختار الوزراءُ أميرًا كالَنْتانيًّا آخر يُدعى راجا إيماسْ جايامْ، فتَوَّجُوهُ ملكا خلَفًا للمرحوم كالنتان، وفي أيَّامه تَسمَّى باغِينْدا، وبعد فترةٍ عَزَلَهُ الثَّالوث: داتوء بندهارا كاتاراب، وداتوء وانغْ كابودالْ، وراجا لاسْمانا داجانغْ، ثم تشاوَرُوا واتَّفقوا على اختيار راجا بينْدانْغ بادانْ ملكًا، لكنَّه لم يرغب في المُلك آنذاك.
أمَّا عن أصل راجا بوتْرا، فقد كان من أبناء ملك قِدَحْ، زمان هزَمَ الآتشينيُّون تلك المملكة، وحينها نزح كثيرٌ من أهالي قدح إلى فطاني، وبعد أن مكث راجا بوترا بفطاني ردحًا من الزَّمن، ذهبت العجوزُ نانْغ كيبونْ، جدَّة توءْ ألُونْغ تْشانغ؛ لتتعلَّم الشَّعْوَذَة مع راجا بوترا. وكانت لها خادمةٌ اسمُها سولونغ أهدتها إلى راجا بوترا؛ فولدتْ له بنتًا سمَّاها راجا دِيوي، وهي التي أصبحت خلَفًا لباغينْدَا. وفي أيَّامها لقَّبَها الناسُ بـ”براخاوْ” (أي ملكة باللُّغة السِّياميَّة). وبعد فترة من الحكم، اعتزلت العرش، ولزِمَتْ دار داتوء وانْغ في بالايْ أمْباتْ. وحينها ألحَّ الثَّالوث: داتوء كاتارابْ، وداتوء وانغ، وراجا لاسمانا مرَّة أخرى على راجا بيندانْغ بادان الذي كان يُلقَّب براجا كابْ، وأصرُّوا عليه بتولِّي الملك؛ فحَمَلوه من بيندانغ بادانْ، وجاؤوا به من خلف النَّهر، وتُوِّج خَلَفًا لراجا بينديرونغ. وفي زمانه تسمَّى بادوكا شاهْ عَلَمْ. وبعد فترة من الحُكم، عزله راجا لاسمانا، وفي الوقت نفسه، عُزِل داتوء تارابْ عن منصب رئيس الوزراء، وحُمل إلى كالَنتان؛ ليستقرَّ هناك. كذلك قَتَل راجا لاسمانا الضَّابط الحاجب وانْ داغانْغ مع تْشا بيلنْغامْ، وكان عبدًا مملوكًا بالقصر.
بعد ذلك، حكم راجا لاسمانا مَلكًا في داجانغ لمدَّة أحدَ عشَرَ شهْرًا، وفي عام البقر في يوم الجمعة العاشر من شهر المحرَّم، خاضَ حربًا ضدَّ داتوء خونْ من بانْغكالانْ وراجا سايْ. وهرب راجا داجانْغ إلى سونْكلا، وحاول السِّياميُّون إعادته إلى هنا في فطاني، لكنَّ الله تعالى لم يشأْ ذلك؛ فاعتزلَ وسكن تْشَانْسِيكْ، وبنى مستوطنَةً بـ”نانْغيم”.
بعد فترة، اعتلَّت نانْغ بوتيري، زوجةُ داجانغ، وماتت، وسُمِح لراجا لاسمانا بأخذها ودفنها في دؤْ-راكْ. وبعد سنتَين توفي راجا داجانغ نفسُه؛ فذهب راجا بوجوتْ إلى تْشانْسيكْ؛ لحمل جثَّته ودفنها في دؤ-راكْ أيضًا.
وحين فرَار راجا داجانغ إلى سونكلا، كان داتوء بانْغالامْ وباوْ قد ذهبا إلى كالَنْتان، لحمْلِ داتوء تارابْ إلى فطاني؛ وتعيينه رئيسًا للوزراء مرَّة أخرى. وكان توء راجا أمْبانغ أيضًا قد أتى من قِدَح مع أسرته إلى فطاني للعيش مع داتوء تارابْ، فتشاوَرَ داتوء تارابْ مع داتوء خونْ كيلوانغْ نانْغ في تعيين باغينْدا ملكًا مرَّة أخرى في جامْبو. وبعد أن حكم باغيندا فترةً من الوقت، مرض ومات، وحُملت جثمانُه إلى تالوك، ودُفن هناك.

الفصل الرَّابع والعشرون: ألُونْغ يونس حاكم فطاني
بعد زمن، أصبح ألُونْغ يونس ملكًا في آيْر-لِيلاَ لمدَّة أحدَ عشَرَ شهرًا، ولُقِّب في فترة حُكمه بيانْغ دي بيرتُوان، وهو الذي بنى المسجد بالميناء، وكان أصلُ هذا المسجد قصرًا بناه راجا داجانْغ؛ فاقتَلَعَه ألُونْغ يونس إلى الميناء (القصر خشبي، المترجم)، وأعاد بناءه مسجدًا. وفي تلك الفترة، أتى سيِّد عبد الله إلى فطاني من ترينْغانُو، وهو من الأشراف من سُلالة رسول الله (^)، ومَسقَطُ رأسه بيت المقدس، وكان حاجي يونس ملايُوِيًّا من فطاني. أما الشَّيخ عبد القادر، فكان من باسايْ، وحاجي عبد الرَّحمن جاويًّا، وفي طريقه من الحجِّ بمكَّة، تزوَّج امرأةً هنا في فطاني. أمَّا الفقيه عبد المنَّان، فكان من أصل مينانْغ كباوْ أتى من قِدَح، وتزوَّج من بلدة بوجُو. كلُّ أولئك الرِّجال الفُطَن، كان همُّهم حمل أعباء شعب فطاني طبقًا لشريعة الله في كتابه المقدَّس. وفي تلك الفترة، شعر أهالي فطاني بسعادة كبيرة، وعاشوا بسلام. واشتهَر المَلك آنذاك في البلاد كلِّها شرقًا وغربًا.
وفجأةً –بمشيئة الله سبحانه وتعالى، الماضي أمرُه في عباده- حدث أن استَنْفَر الملكُ جميعَ جنوده مع جميع قوَّاده الكبار، وجمَّعهم لحملة عسكريَّة؛ لمحاربة داتوء بانْغكالانْ باوْ. وبعد أن أبرَموا معاهدةً وحِلف أمان لفترة من الزَّمن، أتاهُ أجَلُه المحتُومُ؛ إذ أطلق عليه داتوء بانغكالانْ رصاصةً من بندقيَّة حين كان كلٌّ منهما فوق فيله. أصيب الملكُ في مقتل في رأسه، فخرَّ صريعًا، ومات فوق الفيل. وكان داتوء بانغكالانْ ذاك أخًّا أكبر من أب للملك، وكان راجا سايْ أيضًا أخَّا أكبر له، وكذلك داتوء بوجوتْ، ولكنَّه في ذلك الوقت كان قد مرضَ مرضًا شديدًا، ولم يكن له أن ينفع أخاه الملك. أما راجا سايْ، فلم يُطقْ الحضور. وكان ألُونْغ تارابْ أيضًا أخا أكبر آخر للملك، ولكنَّه كان ميَّالاً إلى الدَّعة، وجمال المظهر، ولم يكنْ همُّه إلا بنفسه؛ لذلك لم يكن يُعوَّل عليه البتَّة في إسداء مشورة لأيٍّ من إخوته.
ومنذ مقتل ذاك الملك ودفنه ببوجو، لم يوجد بفطاني ملكٌ إلى أيَّامنا هذه، وأصبحت مملكة فطاني في فوضى كبيرة، وأصابت أهلَها مفاسدُ كثيرة، وهُجرت القوانينُ والتَّقاليد. ولكنْ، ليس لمخلوق أن يحيط بمكنون حِكَم الله تعالى في خَلقه، له الحمدُ والشُّكر، ولا أحدَ يعلم ما يأتي به الغدُ. وأمَّارة سعادة العبد صفحَتَان اثنتان: الأولى بها أعمالٌ حسنة يحملها العبدُ إلى قبره، والأخرى سُمعةٌ طيِّبةٌ يخلفها وراء ظهره في الدُّنيا.

القسم الثَّالث
وهو عن رؤساء الوزراء الذين تعاقَبوا في الحُكم تحت السَّلاطين، بدءًا بالوزير انْغكيرَهْ، وانتهاءًا بالوزير داتوءْ تارابْ، وآلت المملكةُ آنذاك إلى الفوضى والاضطراب.

الفصل الخامس والعشرون: بندهارات فطاني
حين كان المرحومُ تامبانغان حاكمًا على عرش فطاني، كان البندهارا كايو كيلاتْ وزيرًا أوَّل في المملكة، وحين قام بمحاولة للانقلاب على الحُكم، وأخْفَق في ذلك، نزَح إلى سايْ في المنطقة الدَّاخليَّة، ولم يَعُدْ إلى فطاني أبدًا بعد ذلك، وتوفي في عصر المرحوم تامبانغان. وبعد موت المرحوم تامبانغانْ، خلَفَه المرحوم تينْغَهْ، والمرحوم بندهارا أنْغْكيرَهْ وزيرًا أوَّل، وكان جاويًا من أسرة السُّلطان ماتَرامْ، وكان نازلاً على المرحوم بونْغوسْ. وتوفي بندهارا أنغكيرهْ في فترة حكم تينغَهْ، وعُيِّن خلَفًا له في رئاسة الوزراء والدُ داتوء تيرينامْ، وبعد وفاة المرحوم تينغَهْ، أصبحت المرحومة بَهانْغ ملكةً، وفي زمانها توفي الوزير الأوَّل والد داتوء تيرينامْ. وعُيِّن الدَّاتوءْ التَّالي له، سكورْ وزيرًا أوَّل. وبعد وفاة المرحومة بهانغ، خلفتْها المرحومة بيسارْ، وفي أيَّامها توفِّي داتوء سكور، وعُيِّن ابنُه داتوء تيرينامْ خلَفًا له. بعد وفاة المرحومة بيسار، خلفَها المرحوم تيلوك، وفي أيَّامه توفي المرحوم داتوء تيرنامْ؛ فَعُيِّن داتوء دِبيرا وزيرًا أوَّل.
بعد وفاة المرحوم تيلوء، خلفَه المرحوم كالنتان، وفي عهده توفي داتوء دبيرَا، وعُيِّن محلَّه داتوء سايْ. وفي عهده أيضًا تنافَس كثيرٌ من نُبلاء فطاني على منصب رئيس الوزراء. وبعد وفاة داتوء سايْ، أصبح داتوء بانْغسيا وزيرًا أوَّل، وفي ذلك الوقت كان هناك وزيرٌ أوَّل آخر توء تُوَا. وأصبح كيمْبول سيتارْ وزيرًا أوَّل لمدَّة سبعة أيَّام. بعد ذلك ظهر داتوء تانَهْ ميرا من سيام، وأصبح وزيرًا أوَّل.
بعد وفاة المرحوم كالنتان، خلفه المرحوم باغيندا، وفي عهده توفي داتوءْ تانهْ ميرا، وعُيِّن داتوء بانْغريكامْ محلَّه، وتوفي هو أيضًا في عهد المرحوم باغيندا؛ فعُيِّن داتوء تارابْ وزيرًا أوَّل حتى يومنا هذا. ولم يكن هناك وزيرٌ أوَّل بعده.
وفي عهد الملك المرحوم تيلوك، بدأت التَّقاليد القديمة تتغيَّر بالتَّدريج، ولم تَعُد عائدات المملكة مُخَصَّصة للامتيازات المَلَكيَّة. وكان كلُّ وزير يتصرَّف كما بدا له؛ إذ لم يوجد أيضًا من يهتمُّ برعاية التَّقاليد القديمة. بل بدأت تلك التَّقاليد تختفي أكثر فأكثر؛ لأنَّ العالَم كان قد بلغ عصر اللَّعنة.

القسم الرَّابع
وهو عن قدوم تشاوْ هانْغْ إلى فطاني، واشتغاله بترويض الفِيَلة الملَكيَّة وعلاجها، وأخبار أولاده وذريَّته الذين تبوَّأوا الصِّدارةَ في الإدارة الفطانيَّة، منهم داتوءْ تشيراك كينْ، رئيس الوزراء الذي كان وزيرًا قويًّا، فرض الأمنَ والأمانَ بالمملكة، وحظيَ بحبِّ الشَّعب الفطانيِّ.

الفصل السَّادس والعشرون: تشاوْ هانْغْ، مُروِّض الفِيَلة وأبناؤه
يذكُر كبارُ السِّن أنَّه في عهد الملك المرحوم بونغسو، أتت فجأةً سفينةٌ من اتْشِيكيرامْ إلى فطاني. أتى بها رجلٌ اسمُه تْشاوْ هانغْ مع زوجته وأطفاله وجميع عبيده وخدَمه، وحين بلغ فطاني ذهب أميرُ الميناء إلى القصر، وامتثلَ أمام جلالة الملك المرحوم بونغسو، قائلاً له باحترام: “سلامًا يا دولة الملك! معذرةً، لقد أتت سفينةٌ من اتشيكيرامْ، ويزعُم صاحبُها أنَّه مُروِّض وطبيب فِيَلة”. أمر الملكُ بأن يُؤتَى به؛ فجاء به أمير الميناء إلى القصر للامتثال بحضرة الملك. قال له الملك: “أحقًّا أنَّك مُروِّض فيَلة؟” أجاب تْشاوْ هانغْ باحترام: “حُيِّيتُم يا دولةَ مولايَ الملك! إنَّني خبيرٌ بترويض أيِّ عدد من الفِيَلة”. قال الملك: “حسنًا، سوف نُصدرُ أوامرَنا بترويض فيَلنا الصَّغيرة”. وهكذا روَّض تْشاوْ هانغْ تلك الفيَلة، ولم يَدُمْ ذلك طويلا. واتَّفق أنْ أمر الملكُ المرحوم بونْغسو تْشاوْ هانغْ بالتَّوجُّه إلى اتْشيراك كينْ للعيش هناك. وبعد فترة من مُكثه بها، منحَهُ الملك المرحوم بونغسو جميع الغابات ومَزارع الأرزِّ والمرتَفَعات الموجودة هناك، له ولأولاده على التَّأبيد، وكانت مهمَّته العناية بقطيع الفِيَلة الملَكيَّة.
كان من أولاد تشاوْ هانغ، نانْغ كامْ، ونانْغ امْباكْ، وولدٌ يدعى ألُونْغ بُؤ آن. وكان له أيضًا ابنان من امرأة أخرى كان اسم احدهما نونْغ بؤْ، والآخر تيبا. أما ألُونْغ جيناك الذي سكن دانا (أو شَانا)، فكان له ابنٌ يُدعى ألُونْغ تيبا، وتزوَّج امرأة تُدعى نانْغ امْباك، ورُزِقَتْ منه بخمسة أبناء: بنتان وثلاثة بنين. كانت الأولى بنتًا وتُدعى نانْغ بو سيري، وقُتلَت، والأخرى نانْغ بوتْ. وكان البنَون الثَّلاثة: ألُونْغ سيري عين، وألُونْغ آنْ، وأصغرُهم ألُونْغ تْشيرات.
أما نانْغ بوتيري، فكان لها ستَّة أبناء: ألُونْغ كونْغ، وألُونْغ تونْ، وألُونْغ سيبو، ونانْغ تونغ، ونانْغ دام، ونانْغ سونْ. أما نانْغ بوت، فلم تُرزق بولد.
ومُنح ألُونْغ سيري عين لقب كاجانْغ (السَّيد) سيري راما، وكان له سبعةُ أبناء: ذكر ويُدعى ألُونْغ كسَاوْ، وستُّ بنات هنَّ: نانْغ سيبْ، ونانْغ كَسْري، ونانْغ باكالْ، ووَانْ تشينا، ووانْ جادي، ونانْغ بيراشي.
كان ألُونْغ آنْ بندهارا تشيراكْ كينْ، وكان له تسعةُ أبناء، هم: نانْغ تشيءْ، ونانْغ راتْ، ونانْغ ماهْ، ونانْغ بيراكْ، وكان الذُّكور: ألُونْغ تونغو، وألُونْغ تيبا، وألُونْغ سانْ، وتشاوْ نُويْ بيرومْ، وأخيرا نانْغ صُبَحْ.
أما تشيراتْ، فكان لها من الأبناء: نانْغ كا، ونانْغ حَوَا، ونانْغ باهْ، والذُّكور: ألُونْغ مُو، وألُونْغ تشانغ، وألُونْغ سيري، وألُونْغ علايْ.
وكان لنانْغ بو ثلاثة أبناء ذكور هم: تشاوْ تانغ، ثم تشاوْ نُويْ، والأخير تشاوْ أجايْ. وهذا الأخير فحسب لم يُرزق بولد.
ووُلد لتشاوْ تانغ: تشاو هانغ، وهو بدَوْرِه وُلِدَت له بنتان هما: وانْ بَنُونْ، ووان بونْ.
ورُزق تشاوْ نويْ بخمسة أبناء: أكبَرُهم وانْ سولونغ، وبعده وانْ ميءْ، ثمَّ وانْ تيجاهْ، ثم وانْ سيراهْ، وأخيرًا وانْ باغوسْ.
كان عدد أبناء وانْ سولونغْ ثلاثة، هم: وانْ سِلام، ووانْ دؤْ، ولم يُعرَف اسمُ ثالثهم الأخير.
كان لوانْ ميءْ ابنان اثنان، هما: ألُونْغ انْغاهْ، ونانْغ تونْغ. ولم يُخلف وانْ تيجاهْ.
أمَّا أبناء وانْ سيراهْ، فستَّةٌ، وهم: نانْغ بوتْ، ونانْغ بو، ووانْ ميءْ، ووانْ سو، ووانْ دِيلاهْ، ووانْ جمال. وكان لوَانْ باغوسْ ابنان، هما: وانْ قمر، ووان جُورا. ووُلِد لتيبا ابنان هما: تشاوْ بيكانغ، وتشاوْ انْغام. كما وُلد لتشاوْ بيكانْغ ابنان هما: تشاوْ راتْ، وتشاوْ دايْ. وكان لتشاوْ انغامْ أربعُ بنات، هنَّ: تشاوْ بو، وتشاوْ سيتيا، وتشاوْ واتي، وتشاوْ انغاهْ.

الفصل السَّابع والعشرون: داتوء تشيراك كين، بندهارا فطاني
يُروَى أنَّ داتوء تشيراك كينْ حين كان وزيرًا أوَّل، كان يُعنى بأربعين فارسًا، وكان عشرونَ منهم يُرافقون الوزيرَ ليلَ نهار، بينما النِّصف الآخر يطوفُ في جمع الضَّرائب، وبعد ثلاثة أشهُرٍ، كان أولئك يأتون لرُفقة الأمير، ويذهب الفريقُ الآخر؛ ليَحلَّ محلَّ أولئك في جباية العَوائد في مناطق قِدَح، وبتالُونْغ، وسونكلا. تلك هي المناطق التي كان أولئك الرِّجالُ الأربَعُون يعملون ويَجْبُون العوائدَ منها. ومن بين أولئك الرِّجال الأربعين، كان اثنان مُميَّزَين؛ فعيَّنهما داتوء تشيراك كينْ عليهم، كان أحدُهما يُدعى عبد الفَكَار، والآخر عبد الجليل.
في تلك الفترة، كان جميعُ النَّاس في فطاني سُعداء يعيشون في أمن، ولم يكن المسافرون العائدون من رحلة بحريَّة، يقومون بحراسة سُفُنهم في الميناء حينما تَرسُو السُّفُن في مرفأ فطاني، ولو كانت تلك السُّفن مُحَمَّلةً بالذَّهب والفضَّة، فلم يكن أحدٌ يتعرَّض لها بسَرقة. وكان النَّاسُ في المناطق الدَّاخليَّة خاصَّةً في لوبْ تشَابْ، ولامْبانغ دي بِنْدانْغ، إذا ضلَّت ضالَّتُهم، وأعيا وُلاتَهم العُثورُ عليها وردِّها إليهم، كانوا يعبُرون النَّهر فيأتون ومعهم هدايا للوزير الأوَّل، ملتَمسين مساعدته في العُثور على ضالَّتهم. كان الوزيرُ حينئذٍ يبعثُ بعبد الفكار وبعبد الجليل وراء النَّهر؛ للبحث عن الشَّيء المفقود. هكذا كانت الأعمالُ تجري في ذلك الوقت، فكان جميعُ أهالي فطاني سُعداء وراضين في ذلك الوقت. وكان الرِّجالُ والنِّساءُ يدْعُون دائمًا لداتوء تشيراك كينْ بالخير، ولأولاده وعَقِبِه بالمَكَنَة، وأنْ يَظلُّوا نُبلاء بفطاني.

القسم الخامس
عن أخبار داتوءْ سايْ، ومناوشاته لملك فطاني بُغية انتزاع الملك منه، وما أعقَبَ ذلك من تنافُس شديد بين الوزراء على المُلك، واستنجاد بعضهم بمَلك سونكلا تارةً، وأخرى بالمملكة السِّياميَّة، وقتل بعضهم البعضَ من أجل الاستيلاء على السُّلطة.

الفصل الثَّامن والعشرون: قصَّة داتوء سايْ ومُتنافسين آخرين
كان أوَّلُ مَن تقلَّد رئاسة الوزراء داتوء سَكور، وبعده جاء داتوء تيرينامْ، وخلَفَه داتوء ديبيرا، وبعده داتوء بانْغْ كيرامْ. وحين كان هذا الأخير وزيرًا أوَّل لمدَّة سبعة أيًّام، دبَّ خلافٌ بين داتوء ساي وبين داتوء بانْغْسِيا؛ فافترقا وانعزل داتوء سايْ خَلف النَّهر. وبَعث توءْ تُوا مع النَّبيلَين: سيري بيجايا إنْديرا، وسيري ديريا؛ ليحملا داتوء بانغسيا على غرَّة، فذهب توء تُوا للتَّرحيب براجا مِينْدِيلانْغ (…)، وحَملهُ إلى القصر، حيث تُوِّج مَلكًا، وأصدَر راجا مينديلانغ أمرًا مَلَكيًّا بإرسال الرِّجال إلى داتوء بانْغسِيا وأمرَهُ بتسليم الوزير الأوَّل. لكن داتوء بانغسيا لم يُسلمه، فأغار عليه راجا مِينْديلانْغْ، ومات داتوء بانغسيا. وحينئذٍ، استقرَّ الملك لراجا مينديلانغ، وأصبح توءْ تُوا وزيرًا أوَّل.
في ذلك الوقت، كان بيراءْ بيمْبانْ ملكَ كالنتان. وبعد مُضيِّ ثلاثة أشهُر، استنْفَر داتوء سايْ جميع رجاله، وطلب العَونَ من ملك سونكلا، وأغارَ بعد ذلك على توء تُوا وهزَمَه، وقتَل سيري بيجايا سيري ديريا في كودانْغ. ولم يمض زمنٌ طويلٌ حتى دخل توء تُوا وبيراء بيمبان فطاني عَبْر جامْبانْ راما، وقاتلا الفطانيِّين، وأُصيب الزَّعيم تُوا برصاصة في (…) كذلك أصيبَ بيراءْ بيمبان برصاصة في دار (…). عاد بعد ذلك إلى داره.
في صباح اليوم التَّالي، تابع داتوء سايْ إطلاق مدافعه من الدَّارة الملَكيَّة صوْبَ دار توء تُوا؛ فهَرب توء تُوا مع بيراء بيمبانْ إلى سونكلا، ثم إلى ترينغانو، حيثُ ترك توء تُوا ابنتَهُ، ثمَّ انطلقَ إلى جوهور، ومنها عاد مرَّةً أخرى واستقرَّ بترينغانو. وفي ذلك الحين، أرسلَ ملكُ سيام إلى بيراءْ بيمْبانْ وتوءْ تُوَا؛ فأتَياهُ، ومُنح توء تُوا لقبَ بيراءْ تنانْغ (أو كتانغ) بينما كان بيراءْ بيمْبانْ قد حصل على لقبه ذاك من قَبل.
بعد حوالي سبع سنين، أمر ملكُ سيام بيراءْ بيمبان وتوء تو بالذِّهاب إلى فطاني وقتل داتوء سايْ، وحينها أصبح توء تُوا وزيرًا أوَّل، وبيراءْ بيمبانْ كبير الضُّباط الحُجاب بالقصر.
بعد ذلك بسنَتَين، أتى ألُونْغ تشانغ مع السِّياميِّين، وهاجم توء تُوا بالقذائف؛ فهرب توء تُوا إلى سونكلا، وظلَّ ألُونْغ تشانغ بالدَّولة حوالي أربعة أو خمسة أشهُر. واتَّفق أنْ قدِم داتوء بودالْ سونكلا؛ فاجتمع به توء تُوا، فذهبا وحثَّا ملك سونكلا على قتال ألُونْغ تشانغ بفطاني. وبعد أربعة أو خمسة أشهُر، أتى بيراءْ بيجراتْ من سيام، وقهر ألُونْغ تشانغ، وحمله معه إلى سيام؛ فأتى توء تُوا وداتوء بودالْ مملكةَ فطاني، وأصبح توء تُوا مرَّةً أخرى وزيرًا أوَّل.
بعد مدَّة، نَشب خلافٌ بين توء تُوا وداتوء بودالْ؛ فأرسل توء تُوا إلى السِّياميِّين بالمجيء؛ فأتى القائد بيراءْ بيجراتْ، وفي تلك الظُّروف هُدِّمت كيدانغ، وحمل توء تُوا بدوره إلى سيام، وجاء أيا نانْغ، وحكَم فطاني. وفي ذلك الوقت، ذهب إلى سيام تشاوْ نانْغ، وألُونْغ نانْغ، ووانْ أماتْ، مع أخيه الأصغر توء بندر، وتوك رامبانغ. بعد مدَّة، أصبح بيراءْ بيشايْ حاكمًا في فطاني، وبيراءْ باتْ بيشايْ وزيرًا أوَّل بمرتبة راجا بولاوْ مالاكا. لكنَّه أحدث استياءًا شديدًا بين أهالي فطاني، وحينها اتَّفق كلٌّ من داتوء إمام مودا، وداتو بندهارا تابِيجي، وأيا وانْغ، ومومْ راجا إتامْ على محاربة بيراء باتْ بيشايْْ. نشب قتالٌ بينهم، وانسحب السِّياميُّون إلى سيامْ، وجاء بيراء بينجيراتْ مرَّة أخرى بتوء نَحْوَا، ودخل مصبَّ نهر جامْبو، وتوغَّل في نهر دِيلَنْغ مع توء دَجَانْغ، وفي ذلك الوقت كان توء دجانغ لم يزلْ (يُدعى) ألُونْغ سُورينْ، ولم يكن قد عاد (…). هرب بيراء بيمبانْ إلى بيمبانْ، وجاء على إثْره بيراء بينجيراتْ وتوءْ بيراءْ تْشَايا وهاجمَا فطاني واقتَحَما مصبَّ نهر بِيكَاهْ، وقتل توء بيراء تشايا حينما كان يحرُسُ مصبَّ نهر بيكاهْ، وحُمِلتْ جثَّته إلى تشايا، وعاد بيراء بنجيرات أيضا. وهرب راجا بندهارا إلى كالنتان لكنَّه قُبِض عليه حينما كان بالسُّوق ذاهبًا لحمل مياه لوضوء صلاة الفجر.
بعد ذلك أصبح داتوء كيمبولْ بدَوْره وزيرًا أوَّل، أتى بيراء بنجيراتْ مرَّةً أخرى مع ألُونْغ تشانغ وداتوء تانهْ ميرَا، وداتوء بندهارا دجانغ؛ فهرب توء بادوكا مهراجا إلى ترنْغانو، وبيراء بيمبان إلى تونْ، فقُتل هنالك مع زوجته ووَلده، وقُطع رأسُه، وحُمل إلى بيراء بنجيراتْ، وكان داتوء بوجوتْ آنذاك أمير الشَّواطئ . أمَّا وزير القصر داتوء راجا كادِهْ، فهرب إلى بيسوتْ. بينما هرب داتوك بوجوتْ إلى ترينغانو وأُقِيل داتوء كيمبولْ عن منصب رئاسة الوزراء.
بدَوْرِه، أصبح داتوء تانَهْ ميرا وزيرًا أوَّل. أمَّا توء راجا إمام، وداتوء كِينْشَانْغ، وداتوء خونْ، فخطَفوا داتوء تانه ميرا من سيام، وحَملُوه إلى جيرامْ. ارتَعد الوزير الأوَّل؛ لأنَّه ظنَّ أنَّهم جاؤوا للسَّلام عليه، ولكنَّه سرعان ما أدرك أنَّهم جاؤوا ليحملوه إلى سيام. حينئذٍ، ظهر داتوء البندهارا عند البوَّابة الكبرى، ومنع داتوء كيشانغ عمَّا يريد. كان توء دجانغ وبيراء بنجيراتْ قد وصلا إلى (…) وعلى الطَّريق، توقَّفا قليلاً، ثم عادا إلى كوالا بيكاهْ، ثم إلى سيامْ.
بعد فترةٍ من ذلك، أمر داتوء تانه ميرا رجالَهُ بإحضار ماوْ آنْ تونغ مع زوجة داتوء بندهارا، فأتى بهما توء دجانغ. وبعد سنة أو يزيد، توفِّي المرحوم كالَنتانْ. وكان داتوك بوجوت آنذاك أمير الشَّواطئ، وكان داتوء راجا كادِهْ بمرتبة سيري بادوكا توانْ، وَصارَ وانْ مِيسَانْغْ كبير الضُّباط الحُجَّاب.
حينئذٍ، أرسل توء تانَهْ مِيرا رجالَه رسميًّا لإحضار باغِندا مع راجا نانْغ بوتْ الذي أصبح وريثًا ظاهرًا لراجا مودا.
وبعد سنَتين أو ثلاث، اعتلَّ داتوء تانهْ ميرا، فتوفي، وأصبح داتوء بندهارا تارابْ الحالي وزيرًا أوَّل، إلى أن أتى السِّياميُّون وخرج باغندا إلى تَرادِهْ.
ويَروي النَّاسُ أنَّ داتوء سايْ، حين كان برُتبة بندهارا، كان يسكُنُ خلف النَّهر بقرية كُوليكْ بوكا كي بدانغ، وذات مرَّة، ركب فيلهُ وقصد النَّهر ليستحمَّ، فسقط مِنْ عَلى الفيل والتَوَى قَدَمُه. بعد ذلك عاد إلى بيرْهالا، وبعد سنة تقريبًا، كانت غارةُ السِّياميِّين على فطاني تحت إمرَة القائدَين توء تُوا وبيراء تشايا، وحاز توء تُوا مرتبة بيراء كَتَانْغ، ثم عاد أدراجَه.
أمَّا بيراهْ تشايا، فذهب إلى حيث كان يسكُنُ داتوء سايْ، وبرُفقته بيراء بيشاي في بيرهالا، وأتوا به إلى كيدي من خلف النَّهر عبر باندانغ باكالْ. أمَّا زوجتُه، فحمَلها داتوء أناك إلى أناك بوكيتْ، وذهب كنشانغ هانداي إلى كيبانغ ركامْ، واستقرَّ بها. وبعد أسبوعٍ ذهب كينشانغ هانداي إلى فطاني، وقصد القصرَ، وكان الحاضرونَ بالقصر هم: بيراء بنجيراتْ، وبيراء تشايا، وتوك توا، وحين وصل القصرَ وغسَل قدَمَيه، قُبِض عليه، وحمله الرِّجال بعيدًا، وصُلب بين سيام وبالايْ كا بيندانغ، وكان هناك حوالي (…) شخص. وفي الصَّباح الباكر، زَمجَرَت المدافع، وقُتل داتوء سايْ مع زوجته وابنه. بعد ذلك ذهب راجا باسِيرْ للمُثُول أمام بيراء تشايا، وليطلبَ منه جثَّة داتوء سايْ، فسَمح له بنَقْلِها إلى تارابْ مقرِّ داتوء بيسارْ.
ثمَّ أخبر تشيء ماوْ تاوْ باحترام راجا باسيرْ أنَّ كينشانغ هانداي قد دُفِن في تنجونغ لولوبْ؛ فأَرسَل راجا باسيرْ رجالَهُ؛ لنَبْش قبره وحمل جثَّته ودفنها في تارابْ مع داتوء سايْ. وذهب ابن بيراء راجا كيشيك إلى دار داتوء بادوكا تُوانْ، وكان داتوء بادوكا تُوان آنذاك بِرُتْبة ضابط حاجب ثاني وحملتْ بيتُه مع أسواره، وكلَّ مُمْتلكاته إلى بلدة داتوء بادوكا تُوَانْ ترينامْ. وأصبح وانْ بُؤ (…). كما أصبح حاجي كامْباكْ أميرَ سايْ. أمَّا بيراء بيمبانْ، فلُقِّب بوانْ أنومْ، وكان أخاهُ الأكبرُ حاجي كامْباك سنِينْ أميرُ سايْ. أما أخوه الأصغَرُ، فهو وانْ باغوسْ زوج توء نانْغ بودالْ.
أما داتوء بيراء، فكان أختُه الصُّغرى أمَّ راجا بيراءْ آنْ. وكان ابن عمٍّ أصغَرَ لداتوء سايْ. وكان داتوء أناك بوكيتْ الأكبرُ أيضًا ابنَ عمِّ داتوء سايْ.
أما دانغ جيلا، شيخ دانغ سيراتْ، وطبيب يانْغْ دي بيرتُوَا من جوهور، وشخص آخر من بلدة نافيري، فقد استخلَصَهُما أميرُ جوهور لنفسه، وحمَلَهما معه إلى مملكته. وهو والد راجا إبراهيم، والد المرحوم المقتول على يد بادوكا سيري راما.

القسم السَّادس
وهو عن تقاليد الأوركسترا الملَكيَّة التي تُعزَفُ في المناسبات المختلفة: في مراسم تتويج الملك، وفي الحروب، وفي استقبال الوفود، وفي الأعياد وغيرها. بِذِكْر قواعدها، وسيمفونيَّاتها، وبروتوكولاتها، وآلات العزف المستعملة فيها.

الفصل التَّاسع والعشرون: العادات الملايويَّة، الأوركسترا الملكيَّة في فطاني
أما عن الشَّارات الملَكيَّة، فقد كان لكلِّ سيف ملَكيٍّ غِمْدٌ من الذَّهب، يصلُ وزنُه إلى حوالي ثلاثين تاهيلْ. بينما كان وزنُ الذَّهب في غمد سيُوف الضُّباط الحُجَّاب حوالي خمس وعشرين تاهيلْ. وكان هناك أربعون سيفًا للمَاهاتْ، عشرون منها مطليَّة بالذَّهب، وكان رأسُ الغمد من الذَّهب أيضًا، والعشرون الأخرى بالفضَّة. كان هناك أربعةُ مصابيح مَلكيَّة، بمَحامِل ذهبيَّة، وكانت نسبةُ الذَّهب في كلِّ مصابح تُساوي “كاتي” واحدة. كذلك كانت هناك أربعون رُمْحًا عشرون منها بأطواق ذهبيَّة، وعشرون بالفضَّة، وأربعة أبواق ذهبيَّة، وأربعة أخرى فضِّيَّة، ومِزْماران ذهبيَّان، وفضيَّان، وعشرون طبلة ملَكيَّة، وثماني أخرى.
وفي عهد داتوء المرحوم كي سيام (المتوفَّى بسيام)، حين كان المرحومُ بونغسو على العرش، في ذلك الوقت، لم يكن يُستعمل إلا نصفُ مجموع الآلات الملَكيَّة، وذلك لقلَّة النَّاس آنذاك. وفي ذلك الوقت أيضًا، أزيحَتْ أسوارُ المدينة إلى الدَّاخل، بسبب الخندق المائيِّ الذي ما زال إلى يومنا هذا، يجري عبر البلدة.
في هذا القسم ذِكْرٌ لأنغام دقَّات الطُّبول الملَكيَّة، وتُدعى أولاها أديمُولاَ (البداية والمقدِّمة) وصوتُها كالآتي:
كِيميتانْغ كيميتانْغ كارْ كيميتَانْغ ليِقاتْ تِبيكابْ نانْغ
كيميتانْغْ كِيكارْ كامْ تيبِاتْ.

وفي هذه الفقرة النَّغمة المسمَّاةُ مِيمْبِتُونْغ غيدَانْغ (مثل طبلة طنَّانة). وصوتُها كالآتي:
كِيميتانْغْ غيغَارْ كامْ تيتانْغ غارْ غابْ، تانغْ، كارْ كيمِيتَانْغْ تيتْ تانْغْ كارْ كامْ
تُعزَف بعدها نغمَةُ: بيرانغْ (حَرْب).

وفي الفقرة الآتية ذكرُ النَّغمة المسمَّاة: بوجانْغْ أَلولو-دالولْ (الغُلام الثَّرثار)، وصوتُها كالآتي:
كامْ تينْغكيميتانْغْ كيمينْغ كابْ كارْ كامْ كيكارْ كامْ تيتانْغ كامْ تيباتْ تيبيغامْ كيمْبا تينْغَامْ.
وتُدعى هذه الفقرة: دِيدينْغْ أناءْ (الطِّفلُ المحتضَن) وصوتُها كالآتي:
كيميتانْغ غيغارْ كامْ تيتانْغ غارْ غامْ تِيتَانْغ غارْ غامْ تيتانْغْ، كامْ تيتانْغ كامْ تيتانْغ غامْ تانْغ كيكارْ كامْ تيتانْغ، غامْ. ثمَّ تُعزَف عكسيًّا.
وهذه الفقرةُ نَغْمةٌ تُدعى: جالينْ مِيمنانْغ (مائلٌ مثل نَخيل أريكا) وصوتُها هكذا:
كيميتانْغ كابْ كامْ تيباتْ تيبِيغارْ كامْ غارْ غامْ تانْغْكيمْ تيتانْغ تيباتْ تيبْ تيبيكابْ تانْغْ غارْ غامْ تيبيغامْ غامْ تيتْ تي تيقَاتْ تينغارْ كامْ غامْ تيميتانْغْ غارْ غامْ تيبْ تينْغارْ كابْ تينغارْ كامْ، ثمَّ تبدأ الحرب.

وفي هذه الفقرة النَّغمةُ المُسمَّاةُ: رِبينْ، وصَوتُها كالآتي:
غامْ تيتانْغ غيغارْ كامْ تيتانْغْ غارْ غامْ، غامْ تينْغَارْ غامْ تانْغْ غغرْ غابْ تانْغ غارْ غامْ تيباتْ غامْ تيتانْغْ تينْغارْ كابْ تانْغ غارْ غامْ غارْ غامْ تيتانْغْ.

وفي هذه الفقرة النَّغمةُ المسمَّاةُ: “أورَانْغ” (الأصحاب) وصَوتُها كالآتي:
كيميتانْغ غيغارْ غامْ تيتْ تانْغْ غيغارْ كامْ كيميتانْغ تيتانْغ تينْغارْ كامْ، غارْ كامْ تانْغْ تيباتْ تانْغ غارْ كارْ كامْ.

وفي هذه الفقرة النَّغمةُ المسمَّاةُ: زَمانْ كيمْبانْغ سِري (موسمُ تفتُّح الزُّهور)، وصوتُها كالآتي:
كيميتانْغ غارْ غامْ تيتانْغْ غارْ كابْ تينغارْ غامْ. ثمّ تُعزَف عَكسيًّا، ويُعاد عزْفُها مرَّة أخرى.

وفي هذه الفقرة النَّغمة المسمَّاةُ: راجا بايو (مَلِكُ الرِّياح، أو الرِّياح المَلَكيَّة)، وصوتُها كالآتي:
كيميتانْغ غارْ غامْ تيتانْغ تي بيتْ تانْغْ تانغْ غارْ غامْ غيميتانغْ تانْغ كيتانْغ غارْ غامْ نانْغ غامْ تانْغ غارْ غامْ تانْغ غارْ غامْ تانغْ تينْغْ تيتْ تانْغ تيبيكابْ غارْ غامْ تينْغ غيميتيباتْ تيتانْغ.

وفي هذه الفقرة النَّغمةُ المسمَّاةُ: غِيتا مُولاَ (الأنشودةُ الأولى)، ونغْمتُها كالآتي:
كيميتانْغ غارْ غامْ غيميتانْغ غارْ غامْ تيبيتانْغْ تيباتْ كيتانْغ غارْ غامْ كيميتانْغ غارْ غامْ تينْغارْ غامْ تيغيتانْغْ غارْ غامْ تانْغ غارْ كامْ تانْغ غيغارْ كامْ كامْ تيتانْغ تيبيكابْ تينغارْ غامْ، غامْ تيبيغامْ تيتانْغ تانْغْ تيتْ تانْغ.

وفي هذه الفقرة النَّغمةُ المسمَّاةُ: بورُونْغْ دي بيتي (عصفورةٌ في القفص) ونغمتُها كالآتي:
كيميتِينْغ غامْ تينْغانْغْ تيتانْغْ تيتْ تيباتْ تينْغ تينغْ
في هذه الفقرة النَّغمة المسمَّاة: تيميتي، وصوتُها كالآتي:
كيماتْ تينْغْ تانْغ كيماتْ.

وفي هذه الفقرة النَّغمةُ المسمَّاةُ: تُوموسْ رجاتْ راجا رابِحْ دي وانْكارَا، ونغمتُها كالآتي:
غامْ تينغامْ تيتْ تينْغامْ.

وفي هذه الفقرة النَّغمةُ المسمَّاةُ: تْشاكيرا عالَم (مُحَرِّكُ العالَم)، وصوتُها كالآتي:
غيميتانْغ غامْ تانْغ غامْ تيباتْ تينْغامْ.

وفي هذه الفقرة النَّغمةُ المسمَّاةُ: سيري بادوكا (جلالة الملك)، وصوتُها هكذا:
غيميتانْغ غامْ تيتانْغْ كيميتانْغْ تيباتْ تيبِي غيميتانْغ غامْ.

وفي هذه الفقرة النَّغمةُ المسمَّاةُ: إنَانْ غانْدا (وصيفةُ الجارية)، وصوتُها هكذا:
غيميتانْغْ غامْ تينْغي- تيباتْ تي كيميتانْغ.

وفي هذه الفقرة النَّغمةُ المسمَّاةُ: كُومْبانْغ مينيري (النَّحلةُ مصَّاصةُ العسَل)، وصوتُها هكذا:
غامْ تانْغْ تينْغي- تِيتانْغ.

وفي هذه الفقرة النَّغمةُ المسمَّاةُ: مانْدي آدم (آدم يغتسل)، وصوتُها هكذا:
غامْ تينْغامْ تيباتْ تينْغْ.

وفي هذه الفقرة النَّغمةُ المسمَّاةُ: جولانْغْ كارانغْ ( المرجان المرتفع)، وصوتُها كالآتي:
غامْ تينْغامْ تيتْ تانْغْ غامْ إيتيشُو كارانْغْ غامْ تينْغامْ تينْغي-تيباتْ تانْغ.

وفي هذه الفقرة النَّغمةُ المسمَّاةُ: كيبي، وصوتُها كالآتي:
كيميتانْغ كامْ تيبيتانْغْ تيتانْغْ غامْ.

وفي هذه الفقرة النَّغمةُ المسمَّاةُ: تْشيءْ دِيْوَا (السَّيد ديوا)، وصوتها كالآتي:
غيميتانْغْ غامْ تينغي-تيباتْ تينْغي-تانْغ.

وفي هذه الفقرة النَّغمةُ المسمَّاةُ: إنانْغ سلطان (وصيفة السلطان)، وصوتُها هكذا:
تيتانْغْ كيميتانْغ تيتْ تانْغ.

وفي هذه الفقرة النَّغمةُ المسمَّاةُ: بَرْح عالَمْ ، وصوتها كالآتي:
كيميتانْغْ كيميتانْغْ غامْ تيتْ تانْغْ غامْ.

وفي هذه الفقرة النَّغمةُ المسمَّاةُ باجُو أنتارا (الملابس الدَّاخليَّة)، وصوتُّها هكذا:
غامْ تيتْ تيتْ تيتانْغ غامْ كيميتانْغ غامْ تيتْ تينْغام تيتْ تينْغامْ.

وفي هذه الفقرة النَّغمةُ المسمَّاةُ: بِلُوتْ (سَمكة الأنقليس)، وصوتُها كالآتي:
غامْ غامْ كيميتانْغ تانْغْ تيتْ تيتانْغ تيغامْ تينْغامْ غيتانْغْ انْغاتْ.

في هذه الفقرة شرحُ ما يحدُث حين يهُمُّ العازفون بالعَزْف في الفرقة المَلكيَّة، فحين يحمل الطَّبالون الطُّبول ويشرَعُون في القَرْع عليها، فإنَّنا ننفخ في الأبْواق نفْخَتَين ممدودَتَين، ويُصدر البوق حينذاك صوت: أوتِنْغ أوتِنغْ. ثمَّ ننفخ فيه ثلاث نفخات قصيرة، ثمَّ نفْخَة واحدة طويلة، ونتوقَّف. ثمَّ نبدأ مرَّة أخرى خمس مرَّات بالدَّور، وحين تصلُ النَّغماتُ إلى نهايتها، فإنَّ ذلك ينبغي أن يُصادفَ صوتَ الطَّبلة. وبعد الدَّق على الطّبل، ننفُخُ في كلا البُوقَين نفْخَتَين طويلَتَين، وإذا كانت الأبواقُ أربعةً، كانت النَّفخةُ فيها أيْضًا طويلة. وحين يُقارب الطَّبلُ نهايتَهُ، ننفخ ثلاث مرَّات، تنتهي مع انتهاء دقَّات الطَّبل.
وحين يُدقُّ الطَّبل في وقت العصر، ينبغي أنْ تكون البدايةُ سواء. وحين ينخفضُ صوتُه ليُعطي نفخة طويلة مرَّةً واحدة، وبعد ذلك تُضافُ ثلاث نفخات أخرى. وحين يهمُّ الطَّبَّالُون بالقَرْع، ننفخُ في البوق أيضًا نَفْخَتَين ممدودَتَين. كذلك، عزْف الأوركسترا في العشاء.
أما في حالة الحرب، فهناك قواعد؛ إذْ يُنفخ البوق نَفختين ممدودَتين، ثم ثلاث نفخات قصيرة، ثم نفخة واحدة مسحُوبة أوَّلا، تعْقُبُها ثلاث نفخات قصيرة متتابعة: طويلة مرَّةً واحدة، وقصيرة ثلاث مرَّات. وينبغي أن نكون يَقِظين لإيقاعات الطَّبل، فننفُخ نفخَتَين طويلتين، وثلاث نفخات قصيرة، ثمَّ نتوقَّف. ومثل ذلك في العَزف الصَّباحي.
قاعدةٌ أخرى: في يوم الجمعة، ينبغي أن ننفُخ في الأبواق مُزامَنة مع دقِّ الطُّبول؛ فننفخها نفخَتَين ممدودَتين، وثلاث نفخات قصيرة، ثم نفخة ممدودة أخرى، ثمَّ نَعزف نغمة بالُو – بالُوَانْ. بعد ذلك تُسحبُ النَّفخات ثلاث مرَّات، متْبُوعةً بستِّ نفخات متوالية، حيث يَنْفُخ كلُّ واحد من العازفين مرَّةً واحدة.
وحين ينتقلُ الطَّبلُ إلى صوت آخر، ننفُخ أخرى، ونسحب النَّفخة ثلاث مرَّات، جميعُنا بالطَّريقة نفسها. وبالطَّريقة نفسها على التَّوالي، ينفُخ كلُّ واحد مرَّةً واحدة، وحين تنتهي دقَّة الطَّبلة وتتلاشَى، ينفخ كلُّ واحد نفخةً أخيرة منخفضة ثلاث مرَّات. يعقُبُ ذلك ثلاث نفخات تسع مرَّات متتابعة من الجميع.
بعد ذلك، حين يتحوَّل الطَّبلُ إلى صوت آخر، ويُسمَّى غِيْمُورُو غيدانْغْ (الطُّبول العاصفة)، ينبغي أن ننفخ خمس مرَّات بِنَفَس طويل. وحين يَدقُّ الطَّبَّالون بخفَّة، ينبغي أن ننفخ نفخةً واحدة ممدودة، وحين يقارب صوت الطَّبل نهايتَهُ، ننفُخ ثلاث مرَّات أخرى، ثم نتوقَّفُ بصوت عال. وحين يُكمل العازفون الموسيقى في موكب حمل الهدايا والخطابات، ويتلاشى صوتُ الطَّبل، نبدأ مرَّةً أخرى بالعزْف على غرار إيقاع الطُّبول، مسحُوبة بثلاث مرَّات، وينبغي أن يُتبع ذلك مرَّةً أخرى بنفخَتَين قصيرَتَين، ستَّ مرَّات لدى كلِّ عازف مرَّةً واحدة. وحين يُدقُّ الطَّبلُ بإيقاع غِيمورو غيدانْغ، ينبغي أن ننفخ في البوق خمس مرَّات بِنَفَس واحد طويل متتابع.
وحين يُقرَعُ الطَّبلُ بخفَّة، ننفخ مرَّةً واحدةً طويلة. بعد ذلك حين يتلاشى صوتُ الطُّبول بالتَّدريج، ننفخ في الأبواق أيضًا بثلاث مرَّات، تنتهي بالتَّزامُن مع صوت الطُّبول.
قاعدةٌ أخرى: حين يهمُّ العازفون بعزف سيمفونيَّة الحرب، فإنَّهم ينفخون في الأبواق نفخَتين ممدودَتَين، يعزفهما عازفان بالتَّزامُن، ثم نفختين قصيرَتين تُكرَّران ثلاث مرَّات. بعد ذلك نفخةٌ واحدة، فنفخةٌ مسحُوبة، وحين تنتهي تلك النَّفخة، تُعاد السِّلسلة مرَّةً أخرى في ثلاث مرَّات متوالية، ثمَّ يتوقَّف العازفون.
قاعدةٌ أخرى: عندما تتقدَّمُ الأبواقُ الطَّبل، فينبغي أن يُدقَّ الطَّبل عاليًا، وحينذاك ينبغي أن تُنفخ الأبواقُ نفخَتَين ممْدودَتين، وفي نهاية صوت الطَّبل، تُنفخ الأبواق ثلاث مرَّات؛ لتتوقَّف مع نهاية صوت الطَّبل.
قاعدةٌ أخرى: حينما يخرج الملك، تُنفخ الأبواق مرَّتين ممدودَتَين، وثلاث مرات قصيرة، ومرَّة واحدة أخرى ممدُودة. بعد ذلك تُنفخ خمس مرَّات متوالية، ثم مرَّة واحدة طويلة، وثلاث مرَّات أخرى قصيرة، وينبغي أن تنتهي النَّفخةُ الأخيرة بصوتٍ مرتفع. أما ما يخصُّ النَّفخة الممدودة، فإنَّ صوتها تكون هكذا: أُوتِينغ، وتكون مسحوبةً ومرتعشَة، وفي حال النَّفخات الثَّلاث، ينبغي أن يكون الصَّوتُ فيها متماثلاً، ولكن ينبغي أن يكون الصَّوت الأوسط مسحوبًا قليلا. ويكون صوت النّفخة الطويلة هكذا: أوتِينغْ أَنْغ أوتينغْ. وصوت النَّفخة القصيرة: آتينْغْ، آتينْغ تي أُو، ويكون الجزء الأخير مسحُوبًا إلى أعلى قليلا. أمّا النَّفخاتُ الخمس المتوالية، فينبغي أن تكون كلُّ واحدة منها في نَفَسٍ واحد.
وعلى مَن يريد أن يتعلَّم النَّفخ في الأبواق أن ينفخ فيها بقوَّة قدر المُستطاع، حيث يكون الصَّوت مدَوَّرًا. وإذا أراد أن يُدرِج صوت أوتينْغ، حرَّك لسانه إلى الأمام وإلى الخلف بقوَّة قدر المستطاع؛ حتى يكون الصَّوتُ عاليًا. تلك قواعد النَّفخ في الأبواق.
أمَّا مراسمُ تتويج الملك، فتَتمُّ بسبعة عازفين في الأوركسترا. ينفخونَ في الأبواق، أربعة منهم بالتَّزامُن مرَّتين ممدودَتين، وثلاث مرَّات قصيرة. بعد ذلك ينفخون خمس مرَّات بِنَفَسٍ واحد. وحين يتوقَّف اثنان منهم، يواصِل الآخران النَّفخ، وهكذا دَوَاليك حتى نهاية العَزْف. وحينئذٍ، ينفخ الأربعةُ جميعًا نفخة مَمْدُودة، ثم نفخَتَين ممْدُودتَين، وثلاث نفخات قصيرة، تنتهي تلك النَّفخاتُ بالتَّزامُن مع أصوات الطُّبول. وفي احتفاليَّات الحجِّ، يكون النَّفخُ في الأبواق بالطَّريقة نفسِها عند القَرع على الطّبول، وذلك في أيَّام العيد الثَّلاثة.
هنا نهايةُ النَّص. واكتمَل نسخ كتاب قوانين فطاني ببلدة سنغافورة في اليوم التَّاسع من شهر شعبان في عام 1255هـ. الموافق للسادس عشر من أكتوبر عام 1839م. انتهى. وصاحب المخطوط السَّيد نورث (Mr. North).

انتهت الترجمة بفطاني دار السَّلام
الأربعاء 18 رجب، 1428هـ، الموافق 1 أغسطس، 2007م.
د. آدم بمبا

مراجع الكتاب

1. Al-Fatani, Ahmad Fathy. Ulama besar dari Patani, (Bangi: UKM Press, 2002).
2. Andrew, D. W., Forbes. (ed), The Muslims of Thailand: Historical and Cultural Studies, (India: Centre for South East-Asian Studies, 1985).
3. Horstmann, Alexander. (1997), Hybrid Process of Modernization of Modernization and Globalization: The making of Consumers in South Thailand, Working Paper No. 283, SDRC, University of Bielefeld, Germany.
4. Ismail Che Daud. Tokoh-tokoh ulama’ Semenanjung Melayu, (Kota Bharu: Majlis Ugama Islam dan Adat Istiadat Melayu Kelantan, Ed. Ke-2, 1996).
5. Madmarn, Hasan, The Pondok and Madrasah in Patani,(Bangi: Penerbit University Kebangsaan Malaysia, 1999).
6. Malek, Mohamad Zamberi A. Umat Islam Patani Sejarah dan Politik, (Shah Alam: Hizbi Publications, 1993).
7. Mohammad Zain Abdurahman. New Lights and works of Sahikh Dawud al-Fatani, (2002), Studia Islamika Indonesian Journal for Islamic Studies, Vol. IX, (3).
8. Stuart Robson. (2000, Jan-Apr), Peter Floris (alias Pieter Williamz), Merchant and… Student of Malay, Songklanakarin Journal of Social Sciences and Humanities, Vol.6, No.1.
9. Syukry, Ibrahim. History of the Malay Kingdom of Patani, translated by: Conner Bailey and John N. Miksic, (Ohio University, Monographs in International Studies, SEA, No. 68, 1985).
10. W. K. Che Man, Muslim Separatism: The Moros, of Southern Philippines and the Malays of Southern Thailand, (Oxford, New York: Oxford University Press, 1990).
11. Winstedt, Richard. A History of Classical Malay Literature, (N.Y: Oxford University Press, 1977).

منقولة من مدونة

Bukittanah3’s Blog

عن Asean Affairs

x

‎قد يُعجبك أيضاً

شعب ميداناو .. والبانجسا مورو

جبهة ” مورو” الإسلامية.. التحرر الوطني على الطريقة الإخوانية   تمثل جبهة ...